«رسائل تحت النار» التصعيد الإيراني الإسرائيلي الجديد

مشاهدات


الفريق الركن صباح نوري العجيلي


المقدمة:
لم يعد ما يجري بين إيران وإسرائيل مجرد تبادل دوري للضربات العسكرية أو حلقة جديدة من حلقات الصراع المزمن في الشرق الأوسط ، بل أصبح تعبيراً عن مرحلة استراتيجية مختلفة انتقلت فيها المواجهة من "حروب الظل" و"حروب الوكلاء" إلى نمط جديد يمكن وصفه بـ"الاشتباك المباشر المنضبط". فالصواريخ التي انطلقت، والغارات التي تلتها، لا تعكس فقط رغبة كل طرف في الرد على الطرف الآخر، بل تكشف عن صراع أعمق يدور حول إعادة رسم قواعد الاشتباك الإقليمية وتحديد موازين الردع في مرحلة تشهد تحولات متسارعة في بنية النظام الإقليمي والدولي معاً. وتشير معظم التقديرات الصادرة عن مراكز الدراسات الاستراتيجية الغربية خلال العامين الماضيين إلى أن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة لم تعد فيها القوى الإقليمية تكتفي بإدارة الصراع عبر الوسطاء، بل أصبحت أكثر استعداداً لاختبار أدوات القوة المباشرة ضمن سقوف محسوبة، مع الحرص في الوقت ذاته على تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة لا يمكن السيطرة على تداعياتها.

أولاً: من حروب الوكلاء إلى الاشتباك المباشر
طوال عقود مضت اعتمدت طهران على شبكة واسعة من الحلفاء والقوى المسلحة المنتشرة في لبنان والعراق وسوريا واليمن لتعزيز نفوذها الإقليمي وإدارة صراعاتها بصورة غير مباشرة. إلا أن السنوات الأخيرة كشفت تحولاً تدريجياً في طبيعة المواجهة، حيث بدأت إيران بالانتقال من نموذج الرد عبر الحلفاء إلى نموذج الرد المباشر عندما تقتضي الضرورة السياسية أو العسكرية ذلك. ومن هنا فإن الضربات الصاروخية الأخيرة لا يمكن قراءتها باعتبارها رداً عسكرياً محدوداً فحسب، بل باعتبارها إعلاناً سياسياً بأن طهران تريد تثبيت معادلة جديدة مفادها أن استهداف مراكز نفوذها أو حلفائها الرئيسيين قد يستدعي رداً مباشراً من الدولة الإيرانية نفسها. وفي المقابل، ترى إسرائيل أن السماح بترسيخ هذه المعادلة سيؤدي إلى تغيير جذري في ميزان الردع القائم منذ سنوات، ولذلك تعمل بصورة متواصلة على منع أي تحول استراتيجي يمنح إيران حرية حركة أكبر أو يكرس وجودها العسكري والإقليمي بصورة أكثر استقراراً.

ثانياً: صراع الإرادات لا صراع الجغرافيا
ورغم أهمية الأهداف العسكرية التي تعرضت للاستهداف من الجانبين، فإن جوهر المواجهة لا يتعلق بالمواقع أو المنشآت بقدر ما يتعلق بإرادة القرار السياسي. فإسرائيل لا تسعى فقط إلى تدمير منصات صاروخية أو منشآت لوجستية، بل تحاول فرض كلفة استراتيجية متصاعدة على المشروع الإقليمي الإيراني بأكمله. وفي المقابل، لا تنظر إيران إلى الردود العسكرية باعتبارها مجرد عمليات انتقامية، بل باعتبارها جزءاً من معركة أكبر تهدف إلى منع إسرائيل من فرض قواعد اشتباك أحادية الجانب. ولهذا يمكن القول إن الطرفين يخوضان معركة على السلوك المستقبلي للخصم أكثر مما يخوضان معركة على الأرض نفسها.

ثالثاً: الرسائل الإيرانية… ما وراء الصواريخ
حملت الضربات الإيرانية الأخيرة مجموعة من الرسائل المتداخلة.
الرسالة الأولى موجهة إلى الداخل الإيراني وإلى الحلفاء الإقليميين، ومفادها أن الدولة الإيرانية ما زالت قادرة على المبادرة والرد رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية والعقوبات الممتدة منذ سنوات . أما الرسالة الثانية فتتعلق بإحياء مفهوم "وحدة الساحات"، وهو المفهوم الذي يقوم على اعتبار أن أمن أطراف المحور مترابط، وأن استهداف أحد مكوناته لا يمكن عزله عن بقية المكونات. في حين تتمثل الرسالة الثالثة في محاولة إظهار أن القدرات العسكرية الإيرانية ما زالت قادرة على الوصول إلى أهداف بعيدة المدى، بما يعزز صورة الردع الإقليمي ويحد من الانطباعات التي تشكلت بعد الضربات التي تعرضت لها البنية العسكرية الإيرانية خلال الأشهر الماضية.

رابعاً: الرسائل الإسرائيلية… منع التوازن الجديد
أما إسرائيل فتنظر إلى المشهد من زاوية مختلفة تماماً. فبنك الأهداف الذي شمل قواعد صاروخية ومنظومات دفاع جوي ومستودعات تسليح ومرافق اقتصادية مرتبطة بالبنية العسكرية الإيرانية يعكس استمرار عقيدة إسرائيلية راسخة تقوم على مبدأ منع الخصم من إعادة بناء قدراته قبل اكتمالها. وتدرك المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الضربة الحالية بحد ذاتها، بل في السماح بتراكم قدرات استراتيجية قد تفرض مستقبلاً نوعاً من التوازن غير المرغوب فيه من وجهة النظر الإسرائيلية. ولذلك تسعى تل أبيب إلى إبقاء عملية الاستنزاف مستمرة وإدامة حالة الضغط العسكري والنفسي والاقتصادي على طهران.

خامساً: الاقتصاد والطاقة… الجبهة الأخطر
ورغم أن المشهد الإعلامي يركز على الصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن القلق الأكبر لدى القوى الدولية يتمحور حول الاقتصاد والطاقة. فأي توسع في نطاق المواجهة قد ينعكس بصورة مباشرة على أمن الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز والبحر الأحمر، وهي ممرات تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية. ولهذا لا تنظر واشنطن والعواصم الأوروبية إلى التصعيد من زاوية عسكرية فقط، بل من زاوية تأثيره المحتمل على الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد والاستقرار الاقتصادي الدولي. ومن هنا يصبح احتواء التصعيد هدفاً اقتصادياً عالمياً بقدر ما هو هدف أمني أو سياسي.

سادساً: واشنطن بين دعم إسرائيل ومنع الحرب
تبدو الولايات المتحدة اليوم أمام معادلة معقدة للغاية. فهي ملتزمة استراتيجياً بأمن إسرائيل، لكنها في الوقت ذاته لا ترغب في الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة قد تستنزف مواردها وتربك أولوياتها الدولية الأخرى. كما أن الإدارة الأمريكية تدرك أن انهيار مسار التفاوض مع إيران سيعيد المنطقة إلى دوامة أكثر خطورة، خصوصاً في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني ومستقبل الأمن الإقليمي. ولهذا تسعى واشنطن إلى إدارة توازن شديد الحساسية يقوم على دعم إسرائيل عسكرياً وسياسياً، مع الإبقاء على قنوات الاتصال والوساطة مفتوحة لمنع انفجار الموقف.

سابعاً: موسكو وبكين… المراقب الصامت
خلف الضجيج العسكري تقف روسيا والصين باعتبارهما طرفين يتابعان المشهد بدقة. فموسكو لا ترغب في اندلاع حرب واسعة تعيد تشكيل أولويات القوى الكبرى بصورة قد تؤثر على حساباتها الاستراتيجية الأوسع . أما بكين، التي تعتمد بدرجة كبيرة على تدفق الطاقة من منطقة الخليج، فتنظر إلى الاستقرار الإقليمي بوصفه ضرورة اقتصادية واستراتيجية في آن واحد . ولهذا فإن القوتين تفضلان استمرار التوتر ضمن حدود يمكن التحكم بها، بدلاً من انفجار شامل قد يخلط أوراق النظام الدولي بأكمله.

ثامناً: الردع الساخن… العقيدة الجديدة للمنطقة
ربما يكون الوصف الأدق للمرحلة الحالية هو "الردع الساخن".
فلسنا أمام سلام مستقر، ولسنا أمام حرب شاملة، وإنما أمام حالة وسطية تعتمد على الضربات المحدودة والردود المحسوبة والرسائل العسكرية المتبادلة. كل طرف يريد إظهار قوته . وكل طرف يريد فرض خطوطه الحمراء. لكن أياً منهما لا يريد دفع المنطقة نحو حرب مفتوحة لا يمكن التنبؤ بنتائجها أو السيطرة على تداعياتها.

الخاتمة :
في المحصلة، لا تكشف الضربات المتبادلة الأخيرة عن اقتراب حرب إقليمية شاملة بقدر ما تكشف عن صراع أعمق يتعلق بإعادة تعريف الردع وتحديد قواعد القوة في الشرق الأوسط الجديد. فإيران تسعى إلى إثبات أنها ما زالت قادرة على المبادرة وفرض الكلفة على خصومها، فيما تعمل إسرائيل على منع تشكل أي توازن استراتيجي جديد قد يقيد حرية حركتها العسكرية مستقبلاً . أما الولايات المتحدة، فتجد نفسها بين مطرقة حماية حليفها الإسرائيلي وسندان منع انهيار مسار التفاوض مع طهران . ولهذا فإن المنطقة تبدو اليوم وكأنها تعيش داخل ما يمكن تسميته “ساعة الردع الساخن ”؛ لحظة تاريخية تتجاور فيها الحرب والتسوية، ويتعايش فيها التصعيد والاحتواء، وتبقى فيها أخطر الاحتمالات كامنة ليس في قرار الحرب ذاته، بل في خطأ حسابي واحد قد يحول رسائل الردع المتبادلة إلى مواجهة تتجاوز ما أراده الجميع.

تعليقات

أحدث أقدم