مَقَامَةُ اللَّمَعَانِ وَظِلَالِ البَيَانِ .

مشاهدات


صباح الزهيري


رَوَى الحَارِثُ بنُ هَمَّامٍ قَالَ :

دَخَلْتُ بَغْدَادَ فِي زَمَنٍ كَثُرَ فِيهِ المَقَال , وَقَلَّ فِيهِ الأَفْعَال , فَرَأَيْتُ مَدِينَةً تَسْبَحُ فِي بَحْرٍ مِنَ الأَنْوَار , لَكِنَّهَا تُخْفِي فِي حَشَاهَا أَلْفَ دِثَارٍ وَدِثَار , بَيْنَما أَنَا أَجُولُ فِي أَزِقَّتِهَا العَتِيقَة , أَبْحَثُ عَنْ عَيْنِ الحَقِيقَة , إِذْ بِي بَشَيْخٍ ثَمَانِينِيٍّ يَجْلِسُ عِنْدَ مُفْتَرَقِ الطُّرُق , وَقَدْ خَطَّ الدَّهْرُ عَلَى جَبِينِهِ أَلْفَ خَفْق , فَقَالَ بِنَبْرَةٍ يَصْلَى بِهَا الفُؤَاد :

كُلُّ شَيْءٍ فِي العِرَاقِ يَلْمَع , لَكِنَّهُ يُخْفِي ظِلَالاً لَا تُحْصَى وَلَا تُجْمَع ,

تَأَمَّلْتُ كَلِمَاتِ الشَّيْخِ , فَإِذَا بِالعِرَاقِ المُعَاصِرِ يَتَجَلَّى فِي أَعْمَقِ صُوَرِ التَّنَاقُض , فَخَلْفَ وَاجِهَاتِ التَّارِيخِ العَرِيقِ المُمْتَدِّ مِنْ سُومَرَ وَبَابِلَ إِلَى بَغْدَادَ العَبَّاسِيَّة , وَخَلْفَ صَخَبِ المُدُنِ النَّابِضَةِ بِالأَمَلِ وَطَاقَاتِ الشَّبَابِ الفَتِيَّة , تَقْبَعُ تَحَدِّيَاتٌ جَسِيمَة , وَمَعَانَاةٌ صَامِتَةٌ أَلِيمَة , هُنَاكَ جَانِبَان :

جَانِبٌ مُشْرِقٌ يَسُرُّ النَّاظِرِين , بِثَرْوَةٍ بَكْرٍ وَتَنَوُّعٍ جُغْرَافِيٍّ رَصِين ,
وَجَانِبُ الظِّلَالِ الخَفِيَّة , حَيْثُ البِنْيَةُ التَّحْتِيَّةُ مَتَهَالِكَة , وَقِطَاعَاتُ المَاءِ وَالكَهْرُبَاءِ فِي شِبَاكِ النَّقْصِ شَابِكَة , وَبِطَالَةٌ مُتَفَشِّيَةٌ بَيْنَ الخِرِّيجِينَ نَتِيجَةَ الِاتِّكَالِ عَلَى رِيعِ النَّفْط ,
يُضَافُ إِلَيْهَا خَطَرُ المَنَاخِ وَالتَّصَحُّرِ النَّازِلِ كَالسَّوْط , فَكَيْفَ العُبُورُ مِنْ مُرَبَّعِ التَّنَاقُضِ إِلَى الِاسْتِقْرَار؟ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِجُهْدٍ وَطَنِيٍّ وَدُوَلِيٍّ يُعِيدُ الإِعْمَارَ وَيَفْتَحُ الآفَاقَ لِلشَّبَابِ الأَحْرَار؟

صَرْخَةٌ فِي وَجْهِ الصَّمْت : وَفِيمَا أَنَا غَارِقٌ فِي بَحْرِ هَذَا التَّفْكِير , سَمِعْتُ هَاتِفاً يَصْرَخُ بِصَوْتٍ جَهِير , وَيَقُولُ بِقَلَمِ ابْنِ الشَّلْخِ المَحْزُون :

أَيْنَ يَقَظَتُكُمْ يَا مُثَقَّفِي العِرَاقِ؟ أَمْ أَنَّكُمْ فِي سُبَاتٍ لَا تُفِيقُون؟

كُلَّمَا نَظَرْتُ إِلَى خَارِطَةِ الوَطَنِ الثَّقَافِيَّة , رَأَيْتُ وُجُوهاً كَثِيرَةً , وَأَسْمَاءً لَامِعَةً جَلِيَّة , وَدَوَاوِينَ لَا تُعَدُّ , وَرِوَايَاتٍ لَا تَنْهِي طَلَاسِمَهَا المَدّ , أَرَى جِيلاً كَامِلاً يَتَكَاثَرُ كَأَنَّنَا فِي ذُرْوَةِ النُّهُوض , لَكِنِّي إِذَا التَفَتُّ إِلَى الوَاقِعِ المَرْفُوض , أَدْرَكْتُ الحَقِيقَةَ المُرَّة : هَذَا البَلَدُ لَيْسَ بِحَاجَةٍ إِلَى مُثَقَّفِينَ أُجَرَاء , بَلْ بِحَاجَةٍ إِلَى إِنْسَانِيَّةٍ تَقِفُ فِي وَجْهِ الخَرَابِ وَالبَلَاء , لَقَدْ أَصْبَحَ المَاضِي الكَرِيمُ مَهْجُوراً , وَصَارَ المُثَقَّفُ العِرَاقِيُّ دِيكُوراً , يُزَيِّنُ مَرْحَلَةً سِيَاسِيَّةً فَاسِدَة , تَعِيثُ فِيهَا المِيلِيشْيَاتُ , وَتَنْهَشُ أَحْزَابُ السُّلْطَةِ جَسَدَ الدَّوْلَة , بَيْنَمَا تَتَرَاجَعُ الأَخْلَاقُ إِلَى قَاعٍ لَا قَاعَ بَعْدَهُ.

أَيْنَ أَنْتُمْ؟
أَيْنَ أَصْوَاتُكُمْ؟
وَأَيْنَ مَسْؤُولِيَّتُكُمُ الأَخْلَاقِيَّة؟

إِنَّ المُثَقَّفَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فَاعِلاً فِي ضَمِيرِ الأُمَّةِ , بَاتَ وَهُوَ شَاهِدُ زُورٍ فِي العُتْمَة , كَانَ المُثَقَّفُ يَوْماً ضَمِيراً يَقُودُ الوَعْيَ , وَيَقِفُ فِي وَجْهِ السُّلْطَانِ طَالِباً السَّعْيَ , يَكْتُبُ كَمَنْ يَرْفَعُ السَّيْف , أَمَّا اليَوْمَ , فَقَدْ رَضِيَ الكَثِيرُ بِالوَدَاعَةِ وَالكَيْف , وَبَاتُوا أَسْرَى النَّدَوَاتِ المُمَوَّلَةِ , وَالجَوَائِزِ المَعْسُولَة , أَوِ الشُّرَكَاءِ فِي الصَّمْتِ المُرِيبِ الَّذِي تَشْتَرِيهِ السُّلْطَةُ بِأَبْخَسِ ثَمَن.

ثَقَافَةُ التَّسَوُّلِ وَالامْتِحَانُ التَّارِيخِي :
إِنَّهَا ثَقَافَةٌ تَتَسَوَّلُ الشَّرْعِيَّةَ لَدَى الفَاسِدِين , تَبْحَثُ عَنْ رِضَا السِّيَاسِيِّ لَا عَنْ رِضَا المَسَاكِين , تَبْحَثُ عَنْ دَعْمِ الوِزَارَةِ لَا عَنْ دَعْمِ الحَقِّ وَالمَنَارَة , فَحِينَمَا يُسْرَقُ قُوتُ النَّاسِ وَتَصْمُتُون , وَتُبَاعُ المَنَاصِبُ وَتَتَفَرَّجُون , وَيُهَانُ المُواطِنُ وَتَحِيدُون , فَأَنْتُمْ لَسْتُمْ مُحَايِدِين , بَلْ أَنْتُمْ فِي الجَرِيمَةِ مُشَارِكُون ,

مَاذَا نَطْلُبُ مِنَ المُثَقَّفِ؟
لَا نَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَحْمِلَ السِّلَاحَ , بَلْ نَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ الحَقِيقَةَ صُرَاحاً , أَنْ يَكُونَ مَوْقِفاً لَا نَشِيداً , وَحَقِيقَةً لَا مَجَازاً تَعِيداً , لِكُلِّ صَمْتٍ ثَمَنٌ , وَثَمَنُ صَمْتِكُمْ بَاهِظٌ سَيَقْرَأُهُ الزَّمَن , فَالتَّارِيخُ لَا يَرْحَم , وَمَنْ يَقِفُ اليَوْمَ سَيُذْكَر , وَمَنْ يَصْمُتُ سَيُلْعَنُ وَيُهْجَر.

بَيْنَ التَّرْوِيضِ وَالحُرِّيَّة :
حِينَ طَارَتْ هَذِهِ الصَّرْخَةُ فِي الأَجْوَاء , وَقَعَتْ فِي نُفُوسِ النَّاسِ أَيَّمَا وُقُوع , فَانْقَسَمَ المَلأُ بَيْنَ رَادٍّ وَدَامِعٍ مَفْجُوع , قَالَ قَائِلٌ مُدَافِعاً عَنْ أَهْلِ الفِكْر:

مَهْلاً فَالْمُثَقَّفُ اليَوْمَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدَ زُورٍ بَعْدَمَا مَنَحَهُ النِّظَامُ التَّعَدُّدِيُّ حُرِّيَّةَ الرَّأْيِ وَالنَّقْد , بَعْدَ أَنْ كَانَ يَعِيشُ تَحْتَ وَطْأَةِ نِظَامٍ فَاشِيٍّ يشيعون بأنه يَقْطَعُ الأَلْسُنَ وَالآذَان , وَيَأْخُذُ الرِّقَابَ بِأَدْنَى بَيَان , المُثَقَّفُ لَا يُشْتَرَى بِالمَال , وَلَا يَكُونُ جُزْءاً مِنْ مَشْرُوعٍ خَارِجِيٍّ يَبْتَغِي الِاخْتِلَال , كَمَا فَعَلَتِ الأَجْنِدَاتُ الَّتِي رَكِبَتْ مَوْجَةَ الِاحْتِجَاجِ لِتُخَرِّبَ وَتَسْحَل , بَلْ هُوَ اليَوْمَ يَنْتَقِدُ الحُكَّامَ بِوَعْيٍ , وَيُحَارِبُ الفَسَادَ بِسَعْيٍ , فَأَجَابَهُ صَاحِبٌ لَهُ , وَالدَّمْعُ فِي عَيْنِهِ مَسْكُوب :

دُمْتَ قَلَماً حُرّاً يَكْتُبُ الحَقِيقَةَ المُرَّة , لَكِنَّ المُلَاحَظَ أَنَّ المُثَقَّفَ بَاتَ بَيْنَ التَّرْوِيضِ وَالتَّطْوِيعِ وَالخِذْلَان , كُلٌّ يَصْرَخُ فِي وَجْهِ الآخَرِ مِنْ وَجَعِ الوَطَن , وَلَكِنْ يَا صَدِيقِي , كَأَنَّكَ تُنَادِي فِي وَادٍ , فَيَأْتِيكَ الصَّدَى مُحَمَّلاً بِالفَجِيعَةِ وَالسَّوَاد , النُّخَبُ بَقِيَتْ تَنْظُرُ بِلَا جَدْوَى , مُنْتَظِرَةً دَوْرَهَا لِتَلْتَحِقَ بِالرَّكَائِزِ الَّتِي تُحَرِّكُ رَغَبَاتِ السِّيَاسِيِّ الفَاشِلِ وَاللِّصِّ الغَادِر , وَالمُشْكِلَةُ اليَوْمَ فِي الشَّعْبِ نَفْسِهِ , لَا يَتَحَمَّلُهَا السِّيَاسِيُّ وَحْدَهُ .

قَالَ الحَارِثُ بنُ هَمَّامٍ :
وَبَيْنَمَا السِّجَالُ مَحْمُومٌ بَيْنَ أَبْنَاءِ الجَلْدَة , الْتَقَيْتُ بِرَجُلٍ سُودَانِيِّ الأَصْل , نَقِيِّ الفَصْل , جَلَسَ فِي مَقْهَىً عِرَاقِيٍّ فِي المَنْفَى البَعِيد , يُدِيرُهُ رَجُلٌ مِنْ الكَرَّادَة , يَحْفَظُ شِعْرَ الجَوَاهِرِيِّ الصِّنْدِيد , فَقَالَ لِي بِلِسَانٍ دَافِئٍ كَأَنَّهُ يُسْكَبُ الشَّايَ العِرَاقِيَّ السَّاخِن :

كَتَبْتُ مَا كَتَبْتُ لَا لِأَرْتَدِيَ هُوِيَّةً لَيْسَتْ هُوِيَّتِي , بَلْ لِأَنِّي اقْتَرَبْتُ مِنَ العِرَاقِ فِي مَنَافِي الغُرْبَة , فَوَجَدْتُ أَنَّ الحَرْبَ تُرْوَى هُنَاكَ كَشَأْنٍ مَنْزِلِيٍّ هَشٍّ صَادِق , بَعِيداً عَنْ أَقْنِعَةِ التَّارِيخِ الزَّائِفَة , عَلَى الجِدَارِ صُورَةُ الجَوَاهِرِيِّ يَبْتَسِم , وَالمَقْهَى كُلُّهُ بَقْعَةٌ مِنَ الرُّصَافَةِ سَقَطَتْ سَهْواً فِي هَذَا المَنْفَى , تَابَعَ السُّودَانِيُّ حَدِيثَهُ العَذْبَ قَائِلاً :

شَهِدْتُ كَيْفَ يَطَأُ الشِّعْرُ الطِّينَ فِي حَنْجَرَةِ امْرَأَةٍ تَبْكِي ابْنَهَا بِالصَّمْت , فَبَغْدَادُ لَا تُحْكَى فِي نَشَرَاتِ الأَخْبَار , بَلْ هِيَ رَائِحَةُ قَهْوَةٍ مَحْرُوقَةٍ فِي بَيْتٍ قَدِيم , لَقَدْ تَعَلَّمَ العِرَاقِيُّ أَنْ يَقُصَّ لِيَرُمَّ الزَّمَن , وَيَقُولَ لِلْغَدِ :

نَحْنُ لَمْ نَنْكَسِر , لَكِنَّنَا أَطَلْنَا الحِكَايَةَ كَيْ لَا نَنْتَهِي , قَصَائِدُ السَّيَّابِ وَأُنْشُودَةُ المَطَرِ لَمْ تُكْتَبْ لِلْعَاشِقَات , بَلْ لِوَطَنٍ يَسْكُنُ فِي مَلَامِحِ المَرْأَةِ المُنْهَكَة . وَجَاشَتِ النُّفُوسُ بِالخِتَام , وَتَنَهَّدَ الرَّاوِي هَمَّام , وَقَالَ :

نَعَمْ , بَغْدَادُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ نَهْرٍ وَعِمَارَة , بَغْدَادُ هِيَ نَحْنُ , فِي السَّرَّاءِ وَالخَسَارَة , الجَمَالُ فِيهَا لَا يُشَاهَدُ بِالعُيُونِ البَاصِرَة , بَلْ يُحَسُّ بِالقُلُوبِ الطَّاهِرَة , هِيَ مَدِينَةٌ ذَاتُ قَلْبٍ مَجْرُوح , يَحْتَاجُ أَنْ تَعُودَ الحَيَاةُ إِلَى شَرَايِينِ أَزِقَّتِهِ الَّتِي تَرْتَدِي رَائِحَةَ المَاضِي الصَّبُوح , فَلَيْسَ السُّؤَالُ كَيْفَ نَصِفُ هَذِهِ المَنَارَة , بَلِ السُّؤَالُ الفَصْل :

كَيْفَ نُعِيدُ لِبَغْدَادَ الحَيَاةَ وَالنَّضَارَة؟.

تعليقات

أحدث أقدم