بواكير الوعي الجيوبولتيكي

مشاهدات



د. ضرغام الدباغ


ما هي الجغرافيا ...؟
الجغرافية هي علم وصف الأرض، وصف المعالم الطبيعية، من بحار وأنهار، وجبال وصحاري، والجغرافيون الأوائل كانوا يصفون المدن والأبعاد وطبيعة الحياة، ويقدمون خلاصات أفكارهم بوسائل تفتقر للدقة التامة لما عليه الحال في عصرنا الراهن، حيث توضع الخرائط بدقة تامة من صور تلتقط من الاقمار الفضائية بدقة تبلغ السنتمتر الواحد.
والبشر خلال أستعمارهم الأرض، شيدوا معالم كبيرة، منها بحيرات صناعية (كالبحيرات الناجمة عن إقامة المشاريع الزراعية) وقنوات تربط بين البحار (كقناة السويس وبنما) وسدود عملاقة تؤثر في طبيعة الأرض، وكذلك تشييد مدن كبيرة تتسع لملايين البشر، وهذه المعالم الطبيعية أو تلك من صنع البشر تدخل في الخرائط على أنها وصف لطبيعة الأرض . وعلم الجغرافيا يهتم بدراسة مظاهر سطح الأرض والظواهر الطبيعية والبشرية عليها ودراسة التاثير والترابط الانعكاسي بينهما وتقوم على أساس الموقع والموضع والامتداد . كما تعنى الجغرافيا أيضا بدراسة أشكال الأنظمة الموجودة على سطح الأرض والعلاقات الرابطة بين الظواهر المختلفة . والجغرافيا من العلوم التي تأثرت بشدة بالتطور العلمي للبشرية، وإمكان حساب الظواهر بدقة تامة، وتصويرها ، ومن مؤشرات التطور، أن تنبثق من علم الجغرافية العام، جغرافيا سياسية، تؤشر الحدود الدولية بين الأمم والشعوب، سكانية، واقتصادية، والثروات والمكونات تحت الأرض، والجغرافيا الفلكية وجغرافيا الظواهر تؤشر مناطق الزلازل والبراكين ( الخامدة منها والنشطة)، وخرائط لإعماق البحار والمحيطات، تظهر بوضوح دقيق للغاية تضاريس قعر البحار والمحيطات، وهناك خرائط تخصصية، تظهر الغوارق من السفن والغواصات وموقعها في قعر البحار والمحيطات، وخرائط تخصصية للمعادن في أعماق التربة الأرضية، وبلغ هذا العلم مستوى رفيعاً حتى أن هناك مكتبة ضخمة في برلين/ العاصمة الألمانية، بعدة طوابق تختص ببيع الخرائط فقط ...! والدقة التي يسرها التقدم التكنولوجي، قدمت المعلومات الاساسية الدقيقة، بلغت درجة رفيعة جداً.

الجغرافيا السياسية Geopolitic
هي فرمنع من فروع الجغرافيا البشرية الذي يهتم بدراسة الدولة ومقوماتها البشرية والجغرافية وعلاقتها بالدول الأخرى وحدودها الدولية، حتى أن إحدى شروط القبول في منظمة الأمم المتحدة، هو أن تقدم الدول المقبولة خريظة دقيقة واضحة لحدودها البرية والبحرية ضمن ملف قبول عضويتها في المنظمة الدولية. وتعد الجغرافيا السياسية علم جديد نسبيا وهناك العديد من العلماء الذين كتبوا في هذا المجال امثال سقراط وافلاطون وارسطو وكان أول من وضع الخرائط المقبولة كان العلامة الادريسي ، وأول من كتب باسم الجغرافيا السياسية حديثاً كان العالم الألماني فريدريك راتزل. العالم العربي الادريس من أوائل العلماء في التاريخ

الإدريسي : 493- 560ه / 1100- 1166م) هو محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس بن يحيى بن علي بن حمود الإِدرِيسي الهاشمي القرَشِي، يكنى بأبي عبد الله ويلقب بالشريف الإدريسي أو القرطبي أو الصقلي عالم عربي مسلم ولد في مدينة سبتة وتوفي في صقلية يعتبر من كبار الجغرافيين في التاريخ ومن مؤسسي علم الجغرافيا الحديثة، كما كتب في الأدب والشعر والنبات، ودرس الفلسفة والطب في قرطبة ، استخدمت المصورات والخرائط التي وضعها في سائر كشوف عصر النهضة الأوربية. حيث لجأ إلى تحديد اتجاهات الأنهار والبحيرات والمرتفعات، وضمنها أيضا معلومات عن المدن الرئيسية بالإضافة إلى حدود الدول الأخرى.

نسبه ومولده
ويلاحظ أن الخريطة مقلوبة، لأن الجغرافيين المسلمين لم يرغبوا بوضع العالم الإسلامي أسفل العالم النصراني. ولد في مدينة سبتة في المغرب الاقصى عام 493 هـ 1100 م اسمه الكامل كما أورده في الوافي بالوفيات هو :

محمد بن محمد بن عبد الله (وليس عبد الرحمن) بن إدريس بن يحيى بن علي (خليفة المسلمين في الأندلس) بن حمود (صاحبُ غرناطة في وقته) بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس بن إدريس بن عبدالله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي، ينتهي نسبه إلى آل البيت ولذا لقب بالشريف. ولقب بالصقلي لأنه اتخذ جزيرة صقلية موطناً له بعد سقوط الدولة الإسلامية. ولقب بسترابون العرب نسبة للجغرافي الإغريقي الكبير سترابون.

نشأته وتعليمه
نشأ في سبته وتلقى التعليم في حداثة عمره على الطريقة الشائعة في المغرب وهي حفظ القرآن، والمتون وأشهر القصائد،ثم انتقل مع عائلته وهو صغير إلى الأندلس واستقروا في قرطبة فتلقى تعليمه في جامعتها حيث درس الرياضيات والتاريخ والجغرافيا ، كما أحاط من المعرفة بعلوم النقل كالفقه والحديث واللغة، إلى جانب إتقانه لعلوم الحساب، والهندسة، والفلك، والعلم بالاعشاب والطب وأحوال العالم السياسية. ولما بلغ السادس عشر من عمره أي في عام 510هـ/ 1116م قام بسلسلة من الأسفار إلى مواضع مختلفة في الأندلس وبعض بلاد المشرق العربي وآسيا الصغرى . اختار الإدريسي الانتقال إلى صقلية بعد سقوط الدولة الإسلامية، لأن الملك النورماني في ذلك الوقت"روجر الثاني" كان محبًا للمعرفة. شرح الإدريسي لروجر موقع الأرض في الفضاء مستخدم في ذلك البيضة لتمثيل الأرض، إذ شبه الإدريسي الأرض بصفار البيضة المحاط ببياضها تماما كما تهيم الأرض في السماء محاطة بالمجرات. أمر الملك الصقلي روجر الثاني له بالمال لينقش عمله خارطة العالم والمعروف باسم "لوح الترسيم" على دائرة من الفضة. في إحدى المرات قدم وصفًا عن وضع السودان، وعن حالة مدن مثل " المواقع بدقة متناهية تمامًا، كما هي على أرض الواقع، مع أنها كانت فقط من خلال الاستماع إلى بعض القصص والكلمات. استخدم الإدريسي خطوط العرض أو الخطوط الأفقية على الخريطة والكرة الأرضية التي صنعها، استخدمت خطوط الطول من قبله إلا أن الإدريسي أعاد تدقيقها لشرح اختلاف الفصول بين الدول. دُمرت تلك الكرة خلال اضطرابات مدنية في صقلية بعد وفاة الملك روجر الثاني . في جزيرة صقلية تفتقت مواهبه العلمية وقام بعمله الخالد الذي عرف به في التاريخ، وكانت صقلية في ذلك العهد قد خرجت من حكم المسلمين، وخضعت لحكم النورمان المسيحيين، وإن كان المسلمون يشكلون فيها أكبر جالية من السكان غير المسيحيين، وكان ملوكها من النورمان وخاصة روجر الثاني الذي عاش الشريف في أكنافه، يتشبه بالمسلمين ويتظاهر بعاداتهم في اللباس والهيئة وشارات الملك، ويخالف عادة الإفرنج في كل ذلك.. وكان يكرم المسلمين ويقربهم وينتفع بخبرتهم ومعارفهم.. قال صلاح الدين الصفدي في ترجمة الشريف الإدريسي من كتابه "الوافي بالوفيات" عن الملك روجر الثاني :

"وهو الذي استقدم الشريف الإدريسي صاحب كتاب "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" ليصنع له شيئاً في شكل صورة العالم"»

حدد الإدريسي مصدر نهر النيل، ففي موقع معين وضع نقطة تقاطع نهر النيل تحت خط الإستواء،وهذا هو موقعه الصحيح. قبل دخول مصر تلتقي روافد نهر النيل في الخرطوم عاصمة السودان حالياً، يتشكَل نهر النيل من نهرين هما النيل الأبيض والنيل الأزرق، يجري هذان النهران عبر أراضي السودان ويلتقيان في الخرطوم التي تقع تحت خط الإستواء . إن تحديد الأدريسي لموقع نهر النيل يلغي نظرية بطليموس أن مصدر نهر النيل هو تلة في القمر.

رحلاته
اشتهر الشريف الإدريسي بولعه بالبحار وحركتها، وقد كان ميناء سبتة في عهده يعرف حركة تجارية كبيرة، وكانت تجتذبه السفن التجارية الراسية في ميناء سبتة ، وكان يعتمل في داخله شوق كبير لاستكشاف الدول التي كانت تبحر منها وإليها هذه السفن، وسرعان ما تحولت رغبته إلى حقيقة عندما رحل لمتابعة تحصيله العلمي في قرطبة، فترسخ لديه ميوله إلى العلوم الطبيعية خصوصاً في الجغرافيا والنبات. ويعتبر الشريف الإدريسي أحد كبار الجغرافيين في التاريخ الإنساني، كما كان له أهتمام بالتاريخ ، والأدب، وعلم النبات، والطب، والفلك.. أخذ العلم بسبتة وقرطبة، وزار الحجاز وتهامة ومصر، ووصل سواحل فرنسا وإنجلترا ،وسافر إلى القسطنطينية وآسيا الصغرى . ثم عاش فترة في صقلية ونزل فيها ضيفا على ملكها روجر الثاني ، وقد عانى مدة طويلة من الغربة عن بلده سبتة. نستشف ذلك من شعر من نظمه يقول فيه :

ليـت شعــري أيـن قبـري
ضــاع في الغربة عمـري
لم أدع للعين ما تشتـــاق
فـــي بـــر وبـــحـر

مؤلفاته
ألف الإدريسي كتابه المشهور (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) والمسمى أيضا (كتاب روجر) أو (الكتاب الروجري) وذلك لأن الملك روجر ملك صقلية هو الذي طلب منه تأليفه كما طلب منه صنع كرة من الفضة منقوش عليها صورة الأقاليم السبعة، ويقال أن الدائرة الفضية تحطمت في ثورة كانت في صقلية ، بعد الفراغ منها بمدة قصيرة، وأما الكتاب فقد غدا من أشهر الآثار الجغرافية العربية، استفاد منه الأوروبيون معلومات جمة عن بلاد المشرق، كما أفاد منه الشرقيون، فأخذ عنه الفريقان ونقلوا خرائطه، وترجموا بعض أقسامه إلى مختلف لغاتهم ويعد هذا الكتاب فريد من نوعه استغرق تأليفه 15 عامًا حيث نهج فيه الإدريسي نهجاً جديداً عن غيره من الجغرافيين المسلمين فقد وصف العالم ككل ثم قسمه إلى سبعة أقاليم وكل إقليم إلى عشرة اقسام رئيسيه ثم وصف كل قسم ورسم له خريطة وتحاشى فيه الخلط بين التأريخ والجغرافيا وظل كتابه مرجعًا لعلماء أوروبا أكثر من ثلاثة قرون .

هذه المقدمة الضرورية عن العالم الادريسي، الذي يعترف العالم بفضلة على وضع الأسس المهمة لعلم الجغرافيا، دون أستخدام الوسائل التكنولوجية، بل من خلال االسفر والمعاينة . كانت البداية الحاسمة لعلم الجغرافية . ونستطيع القول بحزم، أن علم الجغرافية لم يجد مرحلته الحاسمة إلا بعد أن أستطاع الإنسان بفضل تقدم التكنولوجيا، أن بشاهد الأرض من ارتفاعات شاهقة، من الطائرات، والاقمار والمركبات الفضائية. وهذه مسيرة تواصلت منذ النصف الثاني للقرن العشرين ولحد الآن، كانت سفرات الرحالة الأوربيين خلال عصر النهضة وفي أعقابها :
فاسكو دي غاما، وماجلان، وكرستوفر كولومبوس، وماركو بولو، والحروب الاستعمارية في أعقاب الثورة الصناعية، تمكنوا من وضع إضافات على مابدأه العلماء والرحالة العرب، كالادريسي وأبن بطوطة، وأبن جبير الاندلسي، وأحمد بن ماجد، وأبن فضلان، وأبو سالم العياشي، وأحمد بن قاسم الحجري، وغيرهم ، وهكذا بدأ علم الجغرافيا يتسامق ويتقدم .

(مصدر : المعطيات حول العلامة الادريسي من الموسوعة الألمانية)
( الصورة : مخطوطة يصف فيها الإدريسي فنلندا)



تعليقات

أحدث أقدم