الفريق الركن صباح نوري العجيلي
يشهد جنوب لبنان تصعيداً ميدانياً متجدداً يعيد إلى الأذهان مشاهد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، عندما أصبحت المرتفعات والتلال الاستراتيجية محوراً رئيسياً للعمليات العسكرية ومحاولات لفرض السيطرة على الأرض. فالحروب لا تُحسم دائماً بحجم القوات أو كثافة النيران فحسب، بل كثيراً ما تتأثر بالسيطرة على المواقع الحاكمة التي تمنح أفضلية المراقبة والاستطلاع والسيطرة بالنيران. ومن بين هذه المواقع تبرز قلعة الشقيف (قلعة بوفور)، التي احتلت مكانة خاصة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. ففي السادس من حزيران/يونيو 1982 حاصرها الجيش الإسرائيلي خلال عملية "سلامة الجليل" قبل أن يسيطر عليها بعد معارك عنيفة، لتتحول لاحقاً إلى واحدة من أبرز القواعد العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان حتى الانسحاب عام 2000. واليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود على تلك الأحداث، يعود اسم القلعة إلى واجهة التطورات الميدانية مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، في مشهد يعكس استمرار الأهمية العسكرية للمواقع الحاكمة رغم التطور الكبير في وسائل القتال والاستطلاع الحديثة.
الأهمية العسكرية والاستراتيجية لقلعة الشقيف:
تنبع أهمية قلعة الشقيف من موقعها الجغرافي الحاكم أكثر من كونها مجرد قلعة تاريخية. فهي حصن دفاعي ومركز استطلاع حاكم، ترتفع القلعة 700 متر فوق سطح البحر وتطل على مجرى نهر الليطاني وتشرف على مناطق النبطية ومرجعيون وصولا الى سهل الحولة ومنطقة الجليل الأعلى. ومن الناحية العسكرية، توفر القلعة قدرة عالية على الرصد والاستطلاع ومراقبة التحركات العسكرية في محيط نهر الليطاني ووادي السلوقي والمرتفعات المجاورة. كما تمنح القوات المتمركزة فيها أفضلية في أعمال المراقبة البصرية والإلكترونية والإنذار المبكر، فضلاً عن إمكانية توجيه النيران وتصحيح رمايات المدفعية والأسلحة بعيدة المدى. وتشرف القلعة على عدد من المحاور والطرق الحيوية المؤدية إلى النبطية وإقليم التفاح والمناطق الواقعة شمال وجنوب الليطاني، ما يجعلها نقطة مؤثرة في متابعة حركة القوات والإمدادات العسكرية واللوجستية . أما من الناحية الاستراتيجية، فتشكل القلعة موقعاً متقدماً يسمح بالإشراف على قطاع واسع من جنوب لبنان، كما تمنح الجهة المسيطرة عليها قدرة أكبر على فهم الموقف العملياتي وإدارة المعركة في القطاع الأوسط من الجبهة الجنوبية. كما تكتسب أهمية رمزية خاصة بسبب تاريخها الطويل في الصراع، سواء خلال فترة الوجود الفلسطيني المسلح أو خلال سنوات الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان.
دلالات السيطرة الاسرائيلية على القلعة :
تحمل السيطرة الاسرائيلية على قلعة الشقيف في الظروف الحالية جملة من الدلالات العسكرية والاستراتيجية والسياسية. فمن الناحية العملياتية، توفر القلعة للقوات الإسرائيلية أفضلية في مجال الاستطلاع والسيطرة بالنيران، وتمنحها قدرة أكبر على مراقبة التحركات في محيط النبطية والطرق الحيوية المؤدية إلى مناطق جنوب الليطاني. كما تسهم السيطرة على الموقع في تعزيز القدرة على متابعة خطوط الحركة والإمداد وتقليص هامش المناورة أمام حزب الله في بعض مناطق الجنوب، ولا سيما في القطاع الأوسط من الجبهة. وتتجاوز أهمية هذه السيطرة بعدها التكتيكي إلى أبعاد استراتيجية أوسع، إذ تعكس توجهاً إسرائيلياً نحو الاحتفاظ بالمواقع الحاكمة التي توفر عمقاً أمنياً متقدماً وتساعد في إبعاد مصادر التهديد عن المستوطنات الشمالية. كما تمثل رسالة سياسية وعسكرية مفادها أن إسرائيل تسعى إلى فرض ترتيبات أمنية جديدة في جنوب لبنان تتجاوز حدود الردع التقليدي. وفي الوقت نفسه، فإن السيطرة على القلعة لا تعني السيطرة على جنوب لبنان أو حسم الصراع القائم. فطبيعة الحرب الحديثة وتعقيدات البيئة العملياتية في الجنوب اللبناني تجعل من الصعب تحويل السيطرة على موقع واحد، مهما كانت أهميته، إلى مكسب استراتيجي حاسم. ومع ذلك، فإن هذا الموقع يمنح من يسيطر عليه مزايا مهمة في مجال الاستطلاع والإنذار المبكر والسيطرة النارية.
هشاشة وقف إطلاق النار:
على الرغم من التفاهمات والاتفاقات التي جرى التوصل إليها لوقف إطلاق النار، فإن الوقائع الميدانية تشير إلى استمرار حالة من عدم الاستقرار. فإسرائيل تواصل تنفيذ عمليات عسكرية وضربات جوية وتتمسك ببعض المواقع التي تعتبرها ضرورية لأمنها، في حين تؤكد أن حزب الله ما يزال يحتفظ ببنية عسكرية ونشاطات ميدانية في مناطق يفترض أن تكون خالية من المظاهر المسلحة. وفي المقابل، يرى حزب الله ولبنان أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية والاحتفاظ بمواقع داخل الأراضي اللبنانية يمثل انتهاكاً للتفاهمات القائمة. وبذلك أصبح وقف إطلاق النار أقرب إلى تهدئة هشة منه إلى تسوية مستقرة ودائمة، الأمر الذي يبقي احتمالات التصعيد وإعادة الاشتعال قائمة في أي وقت.
إيران بين الدعم السياسي وتجنب المواجهة المباشرة:
يثير التصعيد في جنوب لبنان تساؤلات متزايدة حول موقف إيران بوصفها الداعم الرئيسي لحزب الله. فعلى الرغم من استمرار الدعم السياسي والإعلامي وإعلان التضامن مع الحزب، فإن طهران ما تزال تتجنب الانخراط العسكري المباشر أو اتخاذ خطوات قد تؤدي إلى توسيع نطاق المواجهة. ويعكس هذا الموقف جملة من الحسابات الاستراتيجية المعقدة، أبرزها تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة، والحفاظ على ما تبقى من أدوات النفوذ الإقليمي، فضلاً عن التعامل مع تحديات داخلية وخارجية متعددة. ولذلك يبدو أن إيران تفضل في المرحلة الحالية إدارة الصراع بصورة غير مباشرة، مع ترك هامش واسع لحزب الله للتعامل مع التطورات الميدانية وفقاً لظروف الساحة اللبنانية.
الخلاصة :
إن عودة القتال إلى محيط قلعة الشقيف تؤكد أن المواقع الحاكمة ما تزال تحتفظ بأهميتها العسكرية في الحروب الحديثة رغم التطور الكبير في وسائل الاستطلاع والتكنولوجيا العسكرية. فالسيطرة على القلعة لا تعني حسم المعركة في جنوب لبنان، لكنها تمنح الجهة المسيطرة عليها أفضلية عملياتية واستخبارية مهمة في القطاع الأوسط من الجبهة. وفي الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل إلى تثبيت واقع أمني جديد على حدودها الشمالية، يواجه حزب الله تحدياً متزايداً في المحافظة على حرية الحركة وخطوط الإمداد داخل الجنوب اللبناني. أما إيران، فتواصل إدارة موقفها بحذر، محاولةً الموازنة بين دعم حليفها وتجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة. وفي ظل هشاشة ترتيبات وقف إطلاق النار واستمرار العمليات العسكرية، يبقى جنوب لبنان ساحة مفتوحة على احتمالات التصعيد والمواجهة خلال المرحلة المقبلة، الأمر الذي يجعل مستقبل الوضع الأمني في المنطقة مرتبطاً بمسار التطورات الميدانية والسياسية على حد سواء.

إرسال تعليق