وطن تحاصره الابار اكثر مما تحميه جغرافيا الطمع ومأساة العراق المستمرة ..

مشاهدات


دعاء هزاع الجابري 


ليس كل ثراء نعمة ، فبعض الثروات تأتي محملة بلعنتها الخاصة وكأنها هبة من الأرض تُقدم بيد وتُنتزع الحياة بالأخرى ، و" العراق " ذلك البلد الذي نامت تحت ترابه بحيرات من " النفط " لم يكتشف مع الزمن أن كنزه كان طريقا إلى الازدهار كما كان يحلم بل بوابة مفتوحة على أطماع لا تنتهي ، وساحة دائمة لصراع الإرادات التي وجدت في ثروته سببا كافيا لإبقائه واقفا على حافة السقوط ، فمنذ عقود طويلة والعراق يدفع فاتورة امتيازه الجغرافي وثروته النفطية ، حيث لم يُترك يوما ليكون سيد قراره كاملا ولم يُمنح فرصة حقيقية ليعيش هدوء الدول التي تنام على حدودها وتستيقظ على مشاريعها ، فكل برميل نفط يخرج من جوف الأرض به بدا وكأنه يستدعي يدا أخرى تمتد من خلف الحدود ، تبحث عن نصيبها من الجغرافيا والسياسة والمصير .


فقد تحول النفط الذي كان من المفترض أن يكون شريان الحياة هناك إلى نقطة جذب دائمة للنفوذ ، ومع كل مرحلة تاريخية كانت تتبدل الوجوه والأسماء ، لكن الفكرة بقيت واحدة وهي : عراق قوي ليس خيارا مريحاً لكثيرين ، في حين عراق مُنهك أسهل في الإدارة وأقل قدرة على الاعتراض ، ليجد بذلك البلد نفسه محاصرا بشبكات متداخلة من المصالح الإقليمية والدولية ، تُدير المشهد أحيانا من خلف الستار وأحيانا من فوقه ، فيما تتراجع قدرة الدولة على امتلاك قرارها الحر  فلطالما بدا العراق في كثير من محطاته كبيت يملكه أهله على الورق ، بينما تُدار غرفه من قبل ضيوف قرروا البقاء إلى أجل غير معلوم ، أما الأصوات التي كان يفترض بها أن تدافع عن استقلاله الكامل ، فقد انشغلت بصراعاتها الصغيرة واستسلمت لوهم الوعود القادمة من الخارج ، تلك الوعود التي تشبه " السراب " الذي كلما اقترب منها العراقيون وجدوا أنها كانت مجرد وسيلة جديدة لإطالة الانتظار لذلك فأن أخطر ما يمكن أن يصيب الأوطان ليس الاحتلال العسكري المباشر ، بل أن تُفرغ تلك الأوطان من قدرتها على الحلم ، بأن يبقى العلم مرفوعا فوق المباني ، بينما تُسحب من الدولة إرادة الفعل الحقيقي ، ويستمر الوطن على قيد الوجود الجغرافي لكنه يفقد شيئا فشيئا جوهره السياسي والاقتصادي والثقافي معا ، حتى يصبح بذلك كائنا يعيش حالة معلقة بين الحياة والموت لا هو قادر على النهوض الكامل ، ولا هو يُترك ليسقط فينتهي ألمه .

تعليقات

أحدث أقدم