الفريق الركن صباح نوري العجيلي
تنتهي الحروب عادة بتوقيع اتفاق أو وقف لإطلاق النار، لكن الجدل الحقيقي يبدأ بعد توقف القتال. فبينما تنشغل وسائل الإعلام بإعلان المنتصر والمهزوم، ينشغل الباحثون وصناع القرار بتقييم النتائج الفعلية للحرب وقياس حجم المكاسب والخسائر التي حققتها الأطراف المتحاربة . وهذا ينطبق إلى حد كبير على الحرب الأمريكية - الإيرانية التي انتهت في 18 حزيران/يونيو بتوقيع مذكرة تفاهم من أربعة عشر بنداً بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. جاء الاتفاق بعد مواجهة عسكرية عنيفة بين الطرفين، شهدت استخداماً مكثفاً للقوة الجوية والصاروخية والحرب السيبرانية والعمليات الاستخبارية. وقد تركت الحرب آثاراً عميقة على موازين القوى الإقليمية وعلى البيئة الأمنية في منطقة الخليج والشرق الأوسط. ورغم أن الاتفاق وضع حداً للعمليات العسكرية، إلا أنه لم ينهِ أسباب الصراع بصورة كاملة، بل نقل المواجهة من الميدان العسكري إلى طاولة المفاوضات.
مكاسب الولايات المتحدة:
من المنظور العسكري، تمكنت الولايات المتحدة من تحقيق عدد من أهدافها الرئيسية . فقد أثبتت مرة أخرى تفوقها التكنولوجي والاستخباري وقدرتها على تنفيذ عمليات دقيقة ضد أهداف استراتيجية داخل إيران. كما نجحت في إلحاق خسائر كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية واستهدفت عدداً من كبار القادة والمسؤولين الذين يمثلون ركائز أساسية في منظومة الأمن والدفاع الإيرانية. سياسياً، عززت الحرب صورة الولايات المتحدة كقوة قادرة على التدخل العسكري وحماية مصالحها وحلفائها، كما بعثت برسائل ردع إلى خصوم آخرين داخل المنطقة وخارجها.
مكاسب إيران:
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن إيران حققت هي الأخرى مكاسب مهمة رغم حجم الخسائر التي تعرضت لها. فالمعيار الإيراني لقياس النجاح يختلف عن المعيار الأمريكي. فبينما تسعى واشنطن إلى تحقيق أهداف عسكرية وسياسية محددة، تركز القيادة الإيرانية في أوقات الأزمات الوجودية على هدف واحد يتقدم على كل الأهداف الأخرى، وهو بقاء النظام . ومن هذه الزاوية يمكن اعتبار أن طهران حققت أهم أهدافها الاستراتيجية. فرغم مقتل المرشد وعدد من كبار قادة الدولة والحرس الثوري والجيش، لم تنهَر مؤسسات الحكم ولم تشهد البلاد فراغاً سياسياً أو أمنياً يؤدي إلى إسقاط النظام. كما أصبح للحرس الإيراني دور بالتحكم بالملاحة في مضيق هرمز . كما حصلت إيران على مكاسب اقتصادية مهمة من خلال إنشاء صندوق بقيمة 300 مليار دولار لإعادة الإعمار، والتخفيف من بعض القيود المفروضة على صادرات النفط والغاز، وإعادة النظر في الأموال الإيرانية المجمدة. وهذه الإجراءات تمنح الاقتصاد الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس بعد سنوات طويلة من العقوبات والضغوط الاقتصادية. وعلى المستوى الإقليمي، لم يتضمن الاتفاق تفكيك الشبكات الحليفة لإيران أو إنهاء نفوذها الإقليمي بصورة كاملة، الأمر الذي سمح لطهران بالحفاظ على جزء مهم من أوراق قوتها الاستراتيجية.
الخسائر الإيرانية:
لكن هذه المكاسب لا تلغي حقيقة أن إيران دفعت ثمناً باهظاً للحرب. فقد تعرضت بنيتها العسكرية لخسائر كبيرة، وفقدت عدداً من أبرز قادتها العسكريين والأمنيين، كما تعرضت منشآت استراتيجية لأضرار متفاوتة. سياسياً، شكلت الحرب ضربة قوية لصورة القوة الإيرانية التي سعت طهران إلى ترسيخها طوال العقود الماضية. كما أثارت تساؤلات داخلية حول كفاءة بعض المؤسسات الأمنية والعسكرية وقدرتها على مواجهة التحديات المستقبلية. أما اقتصادياً، فقد تسببت الحرب في أضرار كبيرة للبنية التحتية والاستثمارات وحركة التجارة، الأمر الذي سيحتاج إلى سنوات لمعالجته بالكامل.
الخسائر الأمريكية :
ورغم التفوق العسكري الأمريكي، فإن واشنطن لم تخرج من الحرب من دون خسائر. فقد تحملت تكاليف عسكرية واقتصادية مرتفعة، واضطرت إلى تخصيص موارد كبيرة لإدارة العمليات وحماية قواتها ومصالحها في المنطقة . كما واجهت الإدارة الأمريكية ضغوطاً سياسية داخلية وخارجية نتيجة اتساع نطاق الحرب والمخاوف من تحولها إلى صراع إقليمي شامل، وهو ما كانت له انعكاسات على الأسواق والاقتصاد العالمي.
الخاسر الأكبر: الأمن الإقليمي
إذا كان بالإمكان تحديد طرف خاسر بصورة واضحة، فقد يكون الأمن الإقليمي هو الخاسر الأكبر. فقد كشفت الحرب حجم هشاشة الاستقرار في الخليج والشرق الأوسط، وأظهرت أن أي مواجهة واسعة النطاق بين القوى الكبرى والإقليمية يمكن أن تهدد أمن الطاقة العالمي والتجارة الدولية خلال أيام قليلة . كما دفعت الحرب دول المنطقة إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية والأمنية، وإلى زيادة الإنفاق العسكري والاستثمار في أنظمة الدفاع الجوي والحماية السيبرانية ومكافحة الطائرات المسيّرة .
اختبار الستين يوماً
رغم أهمية الاتفاق، فإن التحدي الحقيقي يبدأ الآن. فقد نصت المذكرة على التوصل إلى تفاهم شامل خلال ستين يوماً حول مختلف القضايا العالقة، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني . وهنا تكمن المعضلة الأساسية، لأن الملف النووي كان أحد الأسباب الرئيسية للحرب، كما أنه يمثل أكثر الملفات تعقيداً في العلاقات الأمريكية - الإيرانية . ولذلك فإن نجاح الاتفاق سيعتمد إلى حد كبير على قدرة الطرفين على التوصل إلى حلول وسط بشأن التخصيب والرقابة الدولية والضمانات الأمنية . وتشير الخبرة التاريخية إلى أن المفاوضات بين واشنطن وطهران غالباً ما تكون طويلة ومعقدة، وأن عامل الوقت يمثل جزءاً من أدوات التفاوض لدى الطرفين، ما يجعل احتمال تمديد المفاوضات أو تعثرها أمراً وارداً.
الخلاصة :
في ميزان الربح والخسارة، حققت الولايات المتحدة مكاسب عسكرية واستراتيجية مهمة، بينما نجحت إيران في تحقيق هدفها الأساسي المتمثل في الحفاظ على النظام ومنع انهيار الدولة، إضافة إلى الحصول على مكاسب اقتصادية وسياسية تساعدها على تجاوز آثار الحرب . إلا أن الحقيقة الأهم هي أن الحرب أضعفت الجميع بدرجات متفاوتة، وأن الأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي كانا من أكبر ضحاياها. لذلك فإن الحكم النهائي على نتائجها لن يصدر من ساحات القتال، بل من طاولة المفاوضات خلال الأشهر المقبلة. فهناك فقط سيتضح ما إذا كان الاتفاق يمثل بداية سلام مستدام أم مجرد هدنة مؤقتة . قد تكون الحرب قد انتهت بتفاهم بين واشنطن وطهران، إلا أن الأمن الإقليمي سيظل يدفع ثمنها لسنوات طويلة، وهو ما يجعله الخاسر الأكبر في هذه المواجهة."

إرسال تعليق