مشاهدات
صباح الزهيري
رَوَى الحَارِثُ بنُ هَمَّام قَالَ:
كُنْتُ أَعْهَدُ العِرَاقَ سَفِينَةَ شَرْقٍ مَاهِرَة , وَمَنَارَةَ عِلْمٍ زَاهِرَة , حَتَّى دَهَتْهُ دَاهِيَةُ الِاحْتِلَال , وَأَقْبَلَتْ جُيُوشُ القِيلِ وَالقَال , فَهَدَمَتْ مَاهُوَ قَائِم , وَجَعَلَتْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا فِي مَأْتَمٍ دَائِم , وَيْلَمُّهَا مِنْ نَكْبَةٍ لَمْ تُبْقِ وَلَمْ تَذَرْ, حِينَ تَسَلَّطَ عَلَى دَفَّةِ الحُكْمِ رَعَاعُ البَشَر , مِمَّنْ رَضُوا لِأَنْفُسِهِمْ أَنْ يَكُونُوا (( ذُيُولاً )) لِأَسْيَادِ الشَّرْقِ وَالغَرْب , فَأَوْرَدُوا البِلَادَ مَوَارِدَ الهَلَاكِ وَالحَرْب.
مَجْلِسُ المَحْزُونِ وَوَصْفُ المَنُون , دَخَلْتُ بَغْدَادَ بَعْدَ طُولِ غِيَاب , فَوَجَدْتُ بَاصَ الوَطَنِ الخَشَبِيَّ قَدْ تَهَاوَى وَأَصَابَهُ الخَرَاب , وَإِذَا بِأَقْوَامٍ غُرَبَاء , لَا يَفْقَهُونَ فِي السِّيَاسَةِ وَلَا الحَيَاء , قَدْ اعْتَلَوْا مَقَاعِدَ الصَّدَارَة , وَأَمْسَكُوا مَقْوَدَ الإِدَارَة , فَقُلْتُ لِأَحَدِ الجَالِسِينَ وَالنَّحِيبُ يَخْنُقُه , وَالهَمُّ بِالْحَسْرَةِ يُحْرِقُه:
مَا بَالُ هَؤُلَاءِ القَوْمِ يَقُودُونَ بِلَادَ الرَّافِدَيْن , وَقَدْ جَعَلُوهَا بَيْنَ دَيْنٍ وَبَيْنِ بَيْن؟
فَتَنَفَّسَ الصُّعَدَاء , وَقَالَ وَعَيْنَاهُ تَفِيضَانِ بِالبُكَاء :
يَا هَذَا , أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ البَاصَ قَدْ بِيْعَ فِي سُوقِ النِّخَاسَة , وَأَنَّ الحُكْمَ صَارَ مَزْرَعَةً لِلنَّجَاسَة ؟
لَقَدْ حَشَرُوا شَعْبَ الأَمْجَادِ وَالمَبَادِئ , فِي قَاعِ البَاصِ فِيمَا يُسَمَّى خَانَة الشَّوَاذِي .
الإسْقَاطُ المُرّ : قِرَاءَةٌ فِي صُنْدُوقِ المَظَالِم.
فَتَأَمَّلْتُ الرَّابِطَ العَجِيب , بَيْنَ خَانَةِ البَاصِ وَالوَاقِعِ العَصِيب , فَإِذَا بِنَا نَرَى المَعَانِي تَنْعَكِسُ كَمَا يَلِي :
• مَقَاعِدُ الصَّدَارَةِ لِلذُّيُول :
جَلَسَ فِي مُقَدِّمَةِ الحَافِلَةِ المَنَاصِب وَالوِزَارَات مَنْ ارْتَضَى أَنْ يَكُونَ لِلأَجْنَبِيِّ صَنِيعَة , فَمَلَأُوا جُيُوبَهُمْ بِالسَّرِقَاتِ الرَّفِيعَة , وَتَرَكُوا لِلشَّعْبِ الدُّخَانَ وَالغُبَار.
• عَزْلُ الشَّعْبِ فِي الخَانَة:
أَمَّا نُخَبُ الوَطَنِ وَشَبَابُهُ وَفُقَرَاؤُهُ , فَقَدْ أُلْقُوا فِي الخَانَةِ المَكْشُوفَةِ بِصُنْدُوقِ البَاصِ الخَلْفِي , بِلَا حِمَايَةٍ مِنَ الهَجِير , وَلَا أَمَانٍ مِنَ المَصِير , يَعِيشُونَ بِقَسْوَةٍ وَبِلَا حُقُوق , يَفْتَرِشُونَ مَعِيشَةَ الضَّنْكِ وَالعُقُوق.
• تَسْمِيَةُ الشَّوَاذِي :
لَمْ تَعُدْ التَّسْمِيَةُ لِلْحَيَوَانَاتِ الأَلِيفَةِ كَمَا الأَوَّل , بَلْ صَارَ السَّاسَةُ يَنْظُرُونَ إِلَى عِظَامِ الرِّجَالِ وَالحَرَائِرِ كَأَنَّهُمْ قُرُودٌ فِي قَفَص , يَسْخَرُونَ مِنْ صُرَاخِهِمْ حِينَ يَطْلُبُونَ المَاءَ وَالكَهْرَبَاء , وَيَرْمُونَ لَهُمْ فُتَاتَ المَكْرُمَاتِ فِي المَوَاسِمِ وَالِانْتِخَابَات.
• الازْدِحَامُ عَلَى المَوْت:
حِينَمَا تَضِيقُ بِالنَّاسِ سُبُلُ الكَرَامَة , يَزْدَحِمُونَ فِي تِلْكَ الخَانَةِ البَائِسَة , فَمِنْهُمْ مَنْ يَسْقُطُ فِي قَوَافِلِ الهِجْرَة , وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْضِي بِنِيرَانِ الفِتْنَةِ وَالغُدْرَة.
1. قطاع الطاقة والكهرباء مُحرّك الباص المحروق .
• الإسقاط :
المحرك يلتهم ملايين الدولارات من الوقود الميزانيات الانفجارية , لكنه لا يُنتج حركة , بل يبعث الدخان العقيم في وجوه الركاب القابعين في الخانة المكشوفة .
• الواقع :
جعلوا من الظلام تجارة , تُصرف مليارات الدولارات على المحطات الوهمية والعقود الفاسدة , والهدف إبقاء العراق عاجزاً طاقوياً , وتابعاً مستورداً للغاز والطاقة من دول الجوار لإرضاء الأسياد , بينما يعيش المواطن جحيم الصيف في خانة الشواذي .
2. قطاع التعليم والجامعات مَدرسة المشاغبين وتزوير الشهادات .
• الإسقاط :
معاون السائق المُجند من قبل الحزب , يبيع تذاكر العبور والشهادات لمن هبّ ودبّ داخل الباص , بينما يُطرد العلماء وأصحاب العقول إلى خارج الحافلة أو يُلقون في أسفل الخانة.
• الواقع :
تحول التعليم من منارة تاريخية إلى مرتع للمحاصصة , فُتحت الدكاكين الأهلية الجامعات التجارية التابعة للأحزاب , وجرى تزوير الشهادات العليا للسياسيين والذيول ليتبوأوا بها أعلى المناصب , وتغلغل الفكر الطائفي في المناهج , مما أفرغ التعليم من رصانته العلمية وجعل الجهل المقدس هو القائد.
3. قطاع الصحة والمستشفيات صندوق الإسعافات الملغوم .
• الإسقاط :
صندوق الإسعافات الأولية في الباص يحتوي على أدوية منتهية الصلاحية ومغشوشة , وضعت لتموت الرعية بصمت , ومن يمرض من الركاب يُلقى به في الخانة الخلفية دون عزاء , في حين يُعالج السائق ومريدوه في أفضل المشافي خارج البلاد.
• الواقع :
سيطرة مافيات الأحزاب المكاتب الاقتصادية على مذكرات استيراد الأدوية , وتحول المستشفيات الحكومية إلى أماكن تفتقر لأبسط مقومات النظافة والطبابة ومجازر للحرائق كما حدث في مستشفيات الخطيب والحسين سابقاً , أصبح المواطن مجبراً على بيع ما يملك ليتعالج في المستشفيات الأهلية أو السفر للخارج , لأن قطاع الصحة أُحيل إلى استثمار حزبي قذر.
4. الاقتصاد والتجارة تأمين الباص المنهوب وتهريب الوقود .
• الإسقاط :
باص يغرق في الديون , وخزان وقوده مثقوب يُهَرّب منه النفط علناً إلى حافلات الأسياد المجاورة , بينما يُطالب الركاب في الخانة بدفع أجور مضاعفة ضرائب وجبايات لتغطية السرقات.
• الواقع:
تدمير الصناعة والزراعة المحلية بالكامل لجعل العراق سوقاً استهلاكياً 100% لبضائع دول الجوار الرديئة , يُضاف إلى ذلك مزاد العملة في البنك المركزي الذي غدا القناة الرسمية لتهريب الدولار وغسيل الأموال لصالح دول وميليشيات خارج الحدود , في حين يعاني الشعب من الغلاء والبطالة وفقر حال ميزانية الدولة رغم ثرائها النفطي .
5. قطاع القضاء والأمن المكابح المعطلة والسيطرات الوهمية .
• الإسقاط:
مكابح فرامل الباص لا تعمل إلا إذا أراد السائق دهس أحد الركاب المعترضين في الخانة , أما إذا سرق أحد الذيول محتويات الباص , تعطّلت المكابح واختفى المفتش .
• الواقع:
تحويل القضاء إلى أداة لتصفية الخصوم وحماية الفاسدين من الحيتان الكبيرة قانون عفا الله عما سلف , وتسويات سرقة القرن , وفي الجانب الأمني , تحولت السيطرات والأجهزة الأمنية في بعض مفاصلها إلى بؤر للابتزاز وخدمة أجندات الفصائل , حيث يُعتقل البريء بالشبهة والمخبر السري , ويَسرح القاتل والمُهرّب الحزبي بحصانة تامة.
إضافة للمقامة سجع لوصف القطاعات :
وأسفاً على بلدٍ غدا فيه الطبُّ مَنيَّة , والتعليمُ أُمْنِيَّة , والكهرباءُ خَطِيْئَة , والتجارةُ سَرِقَةً عَلَنِيَّة , غَشُّوا الدَّوَاء , وَقَطَعُوا المَاء , وَأَطْفَأُوا الضِّيَاء , وَجَعَلُوا القَضَاءَ حِبَالَ مَشَانِقَ لِلْفُقَرَاء , وَحِصْناً مَنِيعاً لِلأَشْقِيَاء , كُلُّ ذَلِكَ لِتَبْقَى خَانَةُ الشَّوَاذِي تَعُجُّ بِالنَّحِيب , وَيَبْقَى الذَّيْلُ فِي رَغَدٍ عَجِيب .
قَالَ الحَارِثُ بنُ هَمَّام :
فَلَمَّا سَمِعْتُ مِنْ هَذَا المَحْزُونِ مَا سَمِعْت , وَعَلَى حَالِ دَارِ السَّلَامِ بَكَيْتُ وَتَفَجَّعْت , أَدْرَكْتُ أَنَّ عِرَاقَ الحَضَارَةِ المَجِيدَة , صَارَ حَافِلَةً خَشَبِيَّةً فَرِيدَة , سَائِقُهَا عَمِيل , وَمُفَتِّشُهَا دَخِيل , وَقَدْ عَاثَ فِيهَا الذُّيُولُ فَسَاداً لَمْ تَشْهَدْ لَهُ المَمَالِكُ مَثِيل , وَأَسَفَاً عَلَى بَلَدٍ غَدَا فِيهِ:
• الِاقْتِصَادُ نَهْباً وَمَزَاداً لِلْعُمْلَةِ المَهْرُوبَة.
• وَالطَّاقَةُ ظَلَاماً دَامِساً وَمِلْيَارَاتٍ مَسْلُوبَة.
• وَالطِّبُّ مَنِيَّةً وَتِجَارَةً بِأَجْسَادِ البَرِيَّة.
• وَالتَّعْلِيمُ أُمِّيَّةً بِشَهَادَاتٍ مُزَوَّرَةٍ شَقِيَّة.
• وَالقَضَاءُ حِبَالَ مَشَانِقَ لِلْفُقَرَاء , وَحِصْناً مَنِيعاً لِلأَشْقِيَاء.
لَقَدْ غَشُّوا الدَّوَاء , وَقَطَعُوا المَاء , وَأَطْفَأُوا الضِّيَاء , كُلُّ ذَلِكَ لِتَبْقَى (( خَانَةُ الشَّوَاذِي )) تَعُجُّ بِالمَظْلُومِينَ مِنَ الرَّعِيَّة , وَيَبْقَى الذَّيْلُ فِي رَغَدٍ وَعُبُودِيَّة.
لَكِنَّنِي نَظَرْتُ إِلَى وُجُوهِ القَابِعِينَ فِي تِلْكَ الخَانَةِ المَكْشُوفَة , فَرَأَيْتُ تَحْتَ رَمَادِ الصَّبْرِ جَمْراً , وَفِي سَكَتَاتِهِمْ ثَوْرَةً وَأَمْراً , وَعَلِمْتُ أَنَّ هَذَا المَحْرَكَ المُهْتَرِئَ لَا بُدَّ أَنْ يَنْفَجِر , وَأَنَّ قِطَارَ التَّارِيخِ لَا يَرْحَمُ مَنْ أَمِنَ وَتَجَبَّر , وَسَيَأْتِي اليَوْمُ الَّذِي يَنْفَضِخُ فِيهِ الصُّنْدُوق , وَيَسْتَرِدُّ لُيُوثُ الرَّافِدَيْنِ كُلَّ حَقٍّ مَسْرُوق , وَيُطْرَدُ الشَّوَاذِي وَالذُّيُولُ إِلَى مَزَابِلِ الدَّهْر , بِلَا بَاكٍ عَلَيْهِمْ وَلَا مَجْبُورِ كَسْر.
فَسُبْحَانَ مَنْ يُدِيلُ الدُّوَل , وَيُغَيِّرُ الأَحْوَالَ فَلَا تَمَلّ .

إرسال تعليق