صباح الزهيري
قاريء الست فائزة يشعر بشيء مثل ارتقاء النفس وروعة المشاعر , ويتسامى لهذا العلو الروحي فوق كل ما هو صغارات الحياة , يغوص مع اللغة حين تصبح مَخاضاً ويطمئن للمعنى حين يصيرُ خلاصاً , ومابين ظمأ المعنى وإعجاز الحرف , تولد الكلمات ضمن طُقوسُ الارتِواءِ الأوَّل , وتُفَكُّ عُقَدُ اللسان , فيصيرَ بَيانها عصاً تلقفُ سِحْرَ المَعاني وتَفلقُ بَحْرَ الخَفاءْ , فالكاتبة كما عرفناها غسقيةً شفقيةً يستَديرْ مع ضُوئها عهدُ الشّمس فتهبه شهقة الحياة , لينهض مولويّ تحت أسوارها , من خمرة العشق , مأخوذ لا يفيق.
يقال :
لا تعرف انك فقدت شيء الا حينما تخسره , تربع على نقطة البداية , فاجأه الانطلاق , همَّ بركوب الزمن , لم يمسك خيط التوجه ,سقط في المربع الاول , ذلك ماراودني وأنا أرى المفارقة الصارخة في عنوان قصة الست فائزة الفدعم : بيوت خاوية
فالبيوت في الواقع الحالي خاوية على عروشها ومغلقة بالأقفال كما رأتها الكاتبة في أربيل , لكنها في ذاكرة الكاتبة عامرة ومزدحمة بالحياة , والألوان أزهار التوليب , والروائح , والمواقف النبيلة , أتهجس من العنوان فهو يمهد لمرثية غير مباشرة لزمن التعايش , والكاتبة امرأةٌ لا تشبه سواها , امرأةٌ سكنت مخيّلة القراء , لم تكن ساردة عابرة , ولا اسمًا لمع في ملاعب الشهرة السريعة , بل كاتبة امتلكت سرّ الوصول إلى القلوب , وعلّمت الحرف كيف يكون جسراً بين الوجع والأمل , وبين الذاكرة والحلم .
نص بيوت خاوية ليس مجرد سرد لذكريات عابرة , بل هو وثيقة إنسانية وتاريخية دافئة تُعيد إحياء ملامح منسية من تاريخ العراق الاجتماعي , ويحمل شحنة عاطفية عالية , ويمتاز بالبساطة والعمق في آن واحد , ويقدم درساً بليغاً في المواطنة العفوية التي سبقت التنظير السياسي , وتستحضرالكاتبة أسماء جيرانٍ من خلفيات دينية متنوعة :-
السيد كاظم , السيد صادق , أم إسحاق , أم شاؤول , أم روبيل
دون أي حساسية أو تكلّف , وموقف أم روبيل في كسر الحصالات الخشبية التي كانت مدخرة لزواج الأبناء من أجل إقراض جارها المسلم لبناء بيته , والذي يمثل قمة التكافل الاجتماعي , وجملتها العفوية بالفصحى/العامية (( كلج فلوس )) تعكس ذوبان الفوارق المادية والدينية أمام قيمة الجيرة.
الرمزية الذكية في قصة مغيزل الدادة وهي لعبة شعبية أو أداة غزل قديمة , ليست مجرد حشو للأحداث , بل تحمل رمزية عميقة , حين طلب الأب من الطفلة أن تترك المغيزل ليذهب ويعود إلى عائلته وأطفاله , كأنه كان يتنبأ بحال أصحاب هذه البيوت اليهود العراقيين الذين رحلوا مجبرين أو مدفوعين بالظروف السياسية التاريخية لاحقاً , فتركته كما طلب , لكنه لم يعد إلى يومنا هذا , وما زلت أنتظر عودته منذ ذلك الزمن البعيد هنا يتحول المغيزل من لعبة طفولية إلى رمز للمكون الذي غادر العراق ولم يعد , والانتظار هنا هو حنين للوطن المكتمل بجميع أطيافه.
ينتمي أسلوب الكاتبة إلى السهل الممتنع , لغة دافئة قريبة من القلب , تعتمد على الحواس رؤية التوليب , لمس الحصيرة , تذوق النوكة - الحلاوة الشهيرة , والصدق العاطفي لأن النص خالٍ من الشعارات السياسية الفضفاضة , بل ركّز على الإنسانية المحضة وهذا ما يمنحه قوة البقاء والأثر في نفس القارئ , ان نص "بيوت خاوية" للحاجة فائزة الفدعم هو بمثابة ألبوم صور شخصي يتحول إلى مرآة وطن , إنه يذكرنا بأن الهوية العراقية كانت دائماً نسيجاً ملوناً كأزهار التوليب التي وصفتها في باحة أم إسحاق , والنص يترك في فم القارئ غصة حنين لزمن (( كان الجار فيه سنداً لجاره )) , ويوجه دعوة صامتة ومؤثرة لإعادة قراءة قيمنا الإنسانية الأولى.
رحم الله تلك الأيام , وحفظ الله الكاتبة وعافاها التي أهدتنا هذه اللمسة الوفية من ذاكرتها النقية.

إرسال تعليق