مشاهدات
صباح الزهيري
آنه المفطوم من سم العرابيد ويعلمني الغشيم على الحيايه ؟ ,
مرات التشلبه الناس عل الناس كل غايتهم يصعدون بايه ,
وعدهم عادي كلش من يطيحون لان طاحو بما فيه الكفايه
هذا بيت شعري شهير دارمي من الأدب الشعبي العراقي , يختزل فلسفة عميقة في التعامل مع الأزمات , والخبرة المتراكمة التي تولد من رحم المعاناة , ويُضرب للرد على من يحاول تعليم الشخص أو استغفاله في أمرٍ هو خبير فيه وتجاوزه منذ زمن , والعرابيد , جمع عربيد , وهو نوع من أكبر وأخطر أنواع الأفاعي السامة , والفطام تجاوز مرحلة الخطر والمناعة ضد السم , أي أنه محصن واعتاد على ما هو أعظم , أما الغشيم فهو الشخص الجاهل أو قليل الخبرة , والحيايه جمع حية الأفعى , والمغزى يقول الشاعر
لقد تجاوزتُ مرحلة التأثر بلدغات الأفاعي الكبيرة والخطيرة , فكيف يأتي اليوم شخصٌ قليل الخبرة الغشيم ليُعلمني كيف أتعامل مع الأفاعي الصغيرة ؟
ويُستخدم هذا البيت في مواقف الكبرياء وإثبات الخبرة والدراية العميقة في الحياة .
يعكس البيت الأول :
آنه المفطوم من سم العرابيد ذروة المناعة التي يكتسبها الإنسان أو المجتمع بعد النجاة من كوارث عظمى , العرابيد هنا تمثل الأزمات الوجودية
والخطيرة , وعندما يقول الشاعر إنه مفطوم على سمها , فهو يعلن أنه تخطى مرحلة الخوف أو التهديد , وأصبح يمتلك مصل مضاد لكل أنواع الغدر والمؤامرات , والتهكم هنا يقع على الغشيم الطارئ أو المستجد الذي يعتقد أن بإمكانه خداع شعب أو شخص عركته المحن , أما التكملة
مرات التشلبه الناس عل الناس
تنتقل هنا القصيدة من مرحلة الخبرة والتحصين إلى مرحلة التشخيص الاجتماعي والسياسي والتشلبّه التسلق هو وصف دقيق للوصولية والانتهازية , الشاعر يضع إصبعه على جرح الهوان الاجتماعي , أولئك الذين يستغلون أكتاف الآخرين للصعود باية درجة واحدة , ولم يعد يهمهم السقوط الأخلاقي لأنهم طاحوا بما فيه الكفاية فقدوا كرامتهم وقيمتهم مسبقاً , فلم يعد لديهم ما يخسرونه .
الشارع العراقي اليوم , وبسبب التاريخ الطويل من الأزمات المركبة , يعيش تماماً تفاصيل هذين البيتين , ويمكن إسقاطهما على مستويات عدة , فالوعي الشعبي مقابل الغشامة السياسية المفطوم من سم العرابيد , والواقع لقد مرّ الشعب العراقي عبر العقود الأخيرة بأقسى أنواع العرابيد حروب مدمرة , حصار اقتصادي خانق , طائفية مقيتة , إرهاب داعش , وفساد بنيوي , كل هذه الأزمات السموم منحت المواطن العراقي البسيط رادار وعي واكتفاء وتجربة تجعله يقرأ النوايا مسبقاً , وعندما تأتي قوى سياسية ناشئة أو وجوه قديمة بثياب جديدة , أو حتى قوى خارجية الغشيم , وتحاول إطلاق شعارات رنانة , أو ممارسة ألاعيب سياسية مستهلكة الحيايه لكسب الولاءات أو إثارة الفتن , يجيبهم لسان حال العراقي اليوم :
نحن فطمنا على سموم العرابيد , فلا تحاولوا تعليمنا أو خداعنا بحيايه المؤامرات الصغيرة , فقد فهمنا اللعبة بالكامل . ظاهرة الانتهازية وتدوير الوجوه التشلبّه على الناس , شهد النظام السياسي والاجتماعي في العراق بعد عام 2003 صعود طبقات كاملة عبر التسلق التشلبّي , أشخاص بلا تاريخ سياسي أو كفاءة , تسلقوا على جراح ومآسي الشعب والأزمات الأمنية ليصلوا إلى باية السلطة أو النفوذ أو المال العام , وينطبق الشطر الثاني بدقة مذهلة على الفاسدين والوصوليين في المشهد العراقي , الشاعر يقول عدهم عادي كلش من يطيحون وفي الواقع العراقي , نرى بوضوح كيف أن بعض الشخصيات أو الجهات السياسية لا تخجل من الفضائح , ولا تبالي بالسقوط الأخلاقي أو فقدان السمعة , لأنها أساساً طاحت بما فيه الكفاية وفقدت رصيدها القيمي , وكل همها هو البقاء في السلطة ولو على حساب دماء وآلام الناس .
يظل الكبرياء العراقي شامخا في مواجهة الصدمات , فرغم كل هذا السقوط لبعض النخب التشلبّه , يظل البيت الأول يمثل العراقي الصلب , الإنسان الذي ورث من تاريخ بلاده القدرة على امتصاص الصدمات , العراقي لا يُستغفل بسهولة اليوم , ولديه كبرياء يمنعه من الانصياع لمن هم أقل منه فهماً وتاريخاً وعمقا , وخلاصة القول ان هذا النص هو مرآة للعراق المعاصر إنه يمثل صرخة كبرياء من شعبٍ تجرّع من السموم ما يكفي لجعله محصناً ضد الألاعيب , وفي نفس الوقت هو تشخيص مرير لطبقة انتهازية تظن أنها تتذاكى على شعبٍ هو في الحقيقة يعلم غايتها , ويرى سقوطها , ويتعامل معها من موقع الخبير العارف بالعرابيد والحيايا.

إرسال تعليق