ترامب وقيصر.. عندما تتقدم القوة على القانون

مشاهدات


د. فارس الخطاب



لم يُقتل يوليوس قيصر لأن خصومه كرهوا قوته فقط ، بل لأنهم رأوا في تضخم سلطته تهديدًا لتوازن الجمهورية الرومانية . فقد اغتيل في 15 مارس 44 ق.م على يد مجموعة من النبلاء قادهم بروتس وكاسيوس، بدعوى إنقاذ الجمهورية من حكم فردي متغلب. لكن المفارقة أن قتل قيصر لم ينقذ الجمهورية، بل سرّع انهيارها وفتح الطريق أمام الإمبراطورية . من هنا يمكن مقاربة سلوك دونالد ترامب، لا من زاوية الاغتيال أو العنف، بل من زاوية السياسة حين تتحول القوة إلى مركز وحيد، وحين تُختزل العلاقات الدولية  في سؤال واحد: 

ماذا تكسب أميركا الآن؟
في الأدبيات السياسية الحديثة لا يُقاس نفوذ القوى العظمى بقدرتها على فرض الإرادة فقط، بل بقدرتها على جعل الآخرين يقبلون تلك الإرادة طوعًا. وقد وصف عالم السياسة الأميركي جوزيف ني، هذه الحالة بمفهوم “القوة الناعمة”، أي القدرة على الجذب والإقناع لا الإكراه . ومن هذه الزاوية تبدو المشكلة التي تواجه الولايات المتحدة في بعض مراحل سياسات ترامب أكثر تعقيدًا من مجرد خلافات تجارية أو نزاعات جمركية؛ إذ إن الضغوط المتكررة على الحلفاء قد تؤدي إلى تآكل الرصيد المعنوي الذي بنت عليه واشنطن زعامتها العالمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لقد قامت الهيمنة الأميركية طوال عقود على معادلة تجمع بين القوة العسكرية والتفوق الاقتصادي والشرعية السياسية. وكانت هذه الشرعية تنبع من اقتناع الحلفاء بأن وجود الولايات المتحدة في مركز النظام الدولي يخدم مصالحهم أيضًا. لكن عندما تصبح العلاقات الدولية سلسلة من الصفقات قصيرة المدى، فإن الثقة الاستراتيجية تبدأ بالتراجع، حتى لو بقي التفوق العسكري والاقتصادي قائمًا. لهذا لا تبدو ردود الفعل الأوروبية أو الآسيوية على سياسات ترامب مجرد احتجاجات عابرة، بل مؤشرات على بحث متدرج عن بدائل. فالاتحاد الأوروبي يتحدث بصورة متزايدة عن الاستقلال الاستراتيجي، والهند تسعى إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية، فيما تعمل الصين على توسيع شبكاتها التجارية والاستثمارية عبر مبادرات عابرة للقارات. وهذه التحركات لا تستهدف إقصاء الولايات المتحدة بقدر ما تعكس رغبة متنامية في تقليل الاعتماد على مركز واحد للقرار العالمي.

في شعار “أميركا أولًا” تظهر نزعة قيصرية حديثة : دولة كبرى تتصرف كأن مصالح الآخرين تفاصيل ثانوية . فسياسات الرسوم الجمركية التي اتبعها ترامب تجاه الصين وأوروبا والهند لم تكن مجرد أدوات اقتصادية، بل رسائل هيمنة. وقد أشارت رويترز إلى أن إدارة ترامب فرضت أو لوّحت برسوم أربكت الاقتصاد العالمي، كما دفعت أوروبا والهند إلى تسريع اتفاقات تجارية لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة . أوروبا، الحليف التاريخي، وجدت نفسها أمام واشنطن لا تتشاور بقدر ما تُملِي . والصين عوملت بمنطق الخصم التجاري الوجودي. أما الهند، الشريك الصاعد، فتعرضت لضغط جمركي وسياسي جعلها تبحث عن هوامش أوسع مع أوروبا وغيرها. المقارنة هنا ليست بين قيصر وترامب كشخصين، بل بين نمطين من السلطة: الأول روماني قديم يراكم القوة داخل الجمهورية ، والثاني أميركي معاصر يستخدم ثقل الدولة الأعظم لفرض شروطه على الحلفاء والخصوم معًا. غير أن درس قيصر يقول إن القوة حين تتجاهل توازن المصالح تصنع ضدها تحالفات غير مرئية .  فالدول لا تُطعن بالخناجر كما في روما، لكنها تُقاوَم بالتحالفات البديلة، وبالاتفاقات التجارية الجديدة، وبالبحث عن نظام عالمي أقل ارتهانًا للمركز الأميركي. لقد ظن قتلة قيصر أنهم يوقفون الفرد المتغلب، فإذا بهم يطلقون زمنًا أشد مركزية. وقد يظن ترامب أن الضغط الأقصى يعيد الهيبة الأميركية، لكنه قد يدفع الآخرين إلى إعادة ترتيب العالم بعيدًا عن واشنطن. وهذه هي المفارقة التاريخية: من يبالغ في استخدام القوة قد يوقظ، من حوله، الحاجة إلى تقليص نفوذه . 

المشكلة هنا ليست في حق الولايات المتحدة بالدفاع عن مصالحها، بل في طبيعة إدارة القوة نفسها. فحين تتحرك دولة عظمى بمنطق القرار المنفرد، فإن الحلفاء يشعرون تدريجيًا أنهم ليسوا شركاء في النظام الدولي، بل مجرد متلقين لنتائج قرارات لم يشاركوا في صنعها .  وهذا ما يجعل المقاربة مع قيصر ممكنة من الناحية السياسية والفكرية، لا التاريخية الحرفية . فقيصر أيضًا لم يسقط بسبب الضعف، بل لأن كثيرين شعروا أن مركز القرار أصبح ضيقًا للغاية، وأن الجمهورية تحولت إلى امتداد لإرادة رجل واحد. اليوم لا أحد يتحدث عن خناجر في مجلس شيوخ حديث، لكن العالم يستخدم أدوات أخرى: تحالفات اقتصادية جديدة، استقلال عسكري أوروبي متزايد، تقارب آسيوي، ومحاولات دولية للحد من الاعتماد الكامل على واشنطن. فالقوة حين لا تراعي مصالح الحلفاء قد تدفعهم، بهدوء، إلى البحث عن عالم أقل خضوعًا لها. ولعل التاريخ يقدم درسًا متكررًا في هذا المجال. فالقوى الكبرى نادرًا ما تفقد مكانتها بسبب هزيمة عسكرية مباشرة، بل بسبب تآكل شبكة العلاقات التي منحتها النفوذ في المقام الأول. الإمبراطوريات تسقط غالبًا عندما يتحول الخوف منها إلى دافع للبحث عن بدائل لها. وقد شهد العالم ذلك مع الإمبراطورية الإسبانية في القرن السابع عشر، ثم مع الإمبراطورية البريطانية في القرن العشرين، حيث لم يكن التراجع نتيجة حدث واحد، بل حصيلة تراكمات دفعت الآخرين إلى بناء ترتيبات جديدة خارج المظلة التقليدية للقوة المهيمنة. إن المقارنة بين يوليوس قيصر ودونالد ترامب ليست مقارنة بين شخصيتين أو عصرين، بل بين منطقين في ممارسة القوة. الأول يفترض أن تراكم النفوذ يضمن الاستقرار، والثاني يرى أن الاستقرار يقوم على توازن المصالح والقبول الطوعي بالقيادة. وقد أثبت التاريخ أن القوة التي تنجح في فرض نفسها ليست بالضرورة القوة القادرة على الاستمرار. من هنا لا يكمن التحدي الحقيقي أمام الولايات المتحدة في حجم قوتها العسكرية أو الاقتصادية، فهذه ما تزال الأكبر عالميًا، بل في قدرتها على المحافظة على شبكة التحالفات والثقة التي صنعت قيادتها للنظام الدولي. فالعالم لا يبحث اليوم عن بديل أميركي كامل، لكنه يبحث عن هامش استقلال أوسع. وكلما ازداد الضغط على الحلفاء والخصوم معًا، ازداد هذا البحث تسارعًا. فالتاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يكرر دروسه، فالقوة التي تتجاهل التوازنات والقواعد المشتركة قد تنجح في فرض إرادتها مؤقتًا، لكنها تدفع الآخرين في الوقت نفسه إلى البحث عن بدائل تحد من نفوذها . وكما لم يدرك يوليوس قيصر أن تركيز السلطة في يد واحدة سيولد مقاومة متنامية داخل الجمهورية ، قد لا تدرك بعض الإدارات الأميركية أن الإفراط في استخدام أدوات القوة قد يدفع الآخرين إلى إعادة تشكيل النظام الدولي بصورة تقلص النفوذ الأميركي ذاته. تلك هي المفارقة التي تتكرر في التاريخ: حين تبلغ القوة ذروة ثقتها بنفسها، تبدأ في إنتاج الشروط التي تحد من قدرتها على الاستمرار. وإذا كان اغتيال يوليوس قيصر قد فتح الباب أمام نهاية الجمهورية الرومانية، فإن السؤال الذي يواجه الولايات المتحدة اليوم هو: هل تستطيع المحافظة على قيادتها العالمية إذا استمرت بعض إداراتها في التعامل مع الحلفاء باعتبارهم تابعين لا شركاء؟ أم أن السعي إلى تكريس الهيمنة المطلقة سيقود، من حيث لا تريد، إلى تسريع تشكل نظام دولي أكثر تعددية وأقل اعتمادًا على واشنطن؟

تعليقات

أحدث أقدم