مشاهدات
صباح الزهيري
في مدن الأسمنت , حيث تزدحم الشوارع وتتباعد البيوت , لا يزال صدى الحكمة البدوية يتردد في المجالس :
إن جعت فانحر خوالك , وإن ضمت فاقصد عمامك
, لكنّ روح العصر ألبست هذا المثل ثوباً جديداً , يوازن بين دفء الحضن وهيبة النظام , هذا المثل العربي الشعبي يبرز أهمية العلاقات العائلية ودور الأقارب في تقديم الدعم وقت الشدة , حيث يوجه الإنسان للجوء إلى الخوال أهل الأم وقت الحاجة المادية أو الجوع لطيبتهم وحنانهم , وإلى العمام أهل الأب للعزوة والنصرة عند الإهانة أو الظلم لأنهم السند والدم , ومعاني وتفاصيل المثل :
إن جعت انحر خوالك , يُنصح بالتوجه إلى أخوالك , لأنهم يشفقون عليك ويقدمون لك العون والحنان من محبة أختهم أمك , وإن انهنت روح لعمامك , يُنصح بالتوجه إلى أعمامك , لأنهم السند والظهر , وإهانتك إهانة لهم , فيدافعون عنك ويستردون حقك , المثل يعكس ثقافة التكافل العائلي التقليدية , وإن كان بعض الناس في العصر الحالي يرون أن هذه الأدوار قد تتغير بناءً على من يقف معك فعلياً.
في الفلسفة المدنية الحديثة , لم يعد الجوع هو خلوّ المعدة فحسب , بل هو الجوع العاطفي والحاجة إلى ملاذٍ آمن بعيداً عن صراعات المنافسة , ففي الدور العصري , الاخوال هم مرافئ الحنان والاحتواء العاطفي وهم المنطقة الآمنة, هم الذين يحبونك بلا شروط لأنك تحمل ملامح أختهم , وفي الرؤية المدنية إذا أرهقتك ضغوط الحياة , وذبلت روحك من جفاء الماديات , فاهرب إلى أخوالك حيث تجد القبول الذي يرمم انكسارك , فهم يطعمون قلبك قبل بطنك , اما الأعمام , فهم حائط الصد والهوية الاجتماعية , وان الإهانة في العصر الحديث , قد تحولت من نزاع قبلي إلى تحديات اجتماعية , مهنية , وقانونية , وفي الدور العصري , الأعمام هم الدرع ويمثلون الامتداد الطبيعي لاسمك ومكانتك في المجتمع , وفي الرؤية المدنية إذا واجهت تحدياً يمسّ كرامتك أو هويتك , فستجد في أعمامك سنداً يمنحك الثقة , ليس بالضرورة بالسيف , بل بالوقوف صفاً واحداً ككتلة اجتماعية وازنة , فكرامتك من كرامة العزوة التي تحمل اسمها .
اذا اردنا الموازنة بين الأصل والمدنية , نتبع العبارة الساخرة التي تقول :
إذا جعت روح للمطعم , وإذا أُهِنت روح للشرطة
هذه العبارة رغم واقعيتها الفجة , تمثل النظام الذي يحمي الجميع , لكنها تفتقر إلى الروح , ولتطويرها بلمسة عصرية ناضجة , يمكننا قول التالي :
المطعم يشبع بطنك , لكن الخوال يشبعون روحك , والشرطة تسترد حقك , لكن العمام يستردون هيبتك,
إن الدولة المدنية تعطينا الحقوق لكن العائلة تعطينا المعنى , والرؤية العصرية لا تلغي دور الخال والعم , بل تضعهما في إطارهما الصحيح كصمام أمان عاطفي واجتماعي في عالم أصبح يسير بالخوارزميات , فكن مدنياً في تعاملك مع القانون , لكن ابقَ بدوي الروح في وفائك لمن هم من دمك. في جدلية الاحتياج بين المؤسسة والعائلة , وفي معترك الحياة الحديثة , تتداخل المسارات لتلبية احتياجات الإنسان , فبينما توفر المؤسسات والوظائف والبنوك الكفاية المادية التي تشبع البطن وتؤمن المسكن , يظل الخال هو ذلك الملاذ الذي يمنحك العطاء بكرامة وحب لا تشوبه مصلحة , ليطعم روحك قبل جسدك , وفي حين يسترد القانون والقضاء وأجهزة الشرطة حقوقك المسلوبة بقوة النظام , يبقى العم هو ذلك الظهر الذي يستند إليه وجدانك , فيحميك من الشعور بالوحدة أو الاستضعاف الاجتماعي , ويسترد لك هيبتك المعنوية التي لا تصاغ في محاضر رسمية , وحتى في أوقات الشدة النفسية , فرغم أهمية الأخصائي والطبيب في ترتيب الأفكار , تظل الأم وأهلها هم الملاذ الفطري الذي يمنح السكينة دون الحاجة لتفسير أو تبرير . الإضافة العصرية او مثلث الاستقرار الجديد , لأنه إلى جانب الاخوال للحنان والاعمام للعزوة , يبرز في العصر المدني ضلع ثالث لا يقل أهمية , وهو عائلة الاختيار الأصدقاء المقربون والشريك , ودور الصديق والشريك فإذا كان الخال والعم هما قدرك الجميل فإن الصديق والشريك هما خيارك الحر , والفلسفة :
هنا إذا كانت الأزمات القانونية والمادية لها قنواتها , فإن أزمات الفهم وغربة الفكر لا ينهيها إلا صديق صدوق أو شريك حياة يقرأ صمتك , هؤلاء هم أخوال وأعمام الروح في الغربة , وهم السند في المدن التي قد لا يسكن فيها أقاربنا , هم الذين تذهب إليهم حين تحتاج لمن يسمعك دون أحكام مسبقة , ويشاركونك بناء مستقبلك كما شاركك الأهل بناء جذورك . لابد من تطوير هذه المقولة البدوية برؤية عصرية مدنية تتطلب الحفاظ على جوهر الوفاء العائلي مع تطعيمه بلغة العصر التي تؤمن بالمؤسسات والذات , دون إغفال تلك اللمسة الوجدانية التي تربطنا بجذورنا , أن الرؤية العصرية , تعتبر الأهل هم الجذور , والمدنية هي الفروع , ولا تستقيم الشجرة إلا بهما معاً , النظام يحميك , الأهل يثبتونك , والأصدقاء يرافقونك , لتعيش حياة مدنية متزنة لا تجوع فيها الروح ولا يُهان فيها القلب.

إرسال تعليق