مشاهدات
د. هاني الحديثي
تمر العلاقات الدولية بمنعطفات جيوسياسية مهمة سيكون لها دورها في اعادة رسم مستقبل العلاقات الدولية . فطيلة عقدين مضت والولايات المتحدة تسعى لإبقاء نفسها القوة العالمية المهيمنة على النظام الدولي عبر مجموعة تحالفات اجرتها في بحر الصين الجنوبي والمحيط الباسيفيكي فضلا عن الشرق الأوسط مؤمنةً رصيدها الاستراتيجي حيث اوروبا وحلف الناتو الضامن للأمن الأوروبي . هذين العقدين شهدا صعودا صينيا تدرجيا وصل حد تقديم مشروع الصين الاستراتيجي (الحزام والطريق )الذي يؤمن لها دورا عالميا موازيا كونه مكن الصين من التسلل من منطقة بحر الصيني عبر مضيق ملقا نحو الشرق الأوسط وأفريقيا باتجاه أوروبا فضلا عن أمريكا اللاتينية . الصين قدمت نفسها ضامنا للدول التي يمر بها الطريق من خلال شبكة من المشاريع التي تحقق قدرا واسعا من خدمة الخطط التنموية والتي بدورها اثبتت فيها الصين قدراتها في مجالات التقنيات المتطورة والاقتصاد حتى غدت القوة الاقتصادية الثانية عالميا وهي تغذ السير نحو الموقع الاقتصادي الاول لتدخل حالة من التنافس والتحدي للولايات المتحدة في مناطق الاشتباك الجيو-سياسي .
منطقة الشرق الأوسط جيواستراتيجيا هي موقع الصدام في المشروعين العالميين الامريكي والصيني والتي شهدت العديد منّ الاتفاقيات الاستراتيجية بين الصين وبلدان الشرق الاوسط بينها ومن أبرزها إيران حيث ترتبط الدولتان باتفاقيات لمدة 25 سنة تتبادلان خلالها إقامة المشاريع التنموية وتطوير البنى التحتية وتطوير القدرات الدفاعية لايران والتي تمكنت من خلالها امتلاك قدرات عسكرية متقدمة وخاصة في مجال الصواريخ والدفاع الجوي مقابل استفادة الصين من الطاقة التصديرية لايران في مجالي النفط والغاز حيث تعتمد الصين على نصف حاجاتها للنفط والغاز من ايران ومنطقة الخليج العربي التي تتاثر بسيولة سلسلة الإمدادات عبر مضيق هرمز . لاجل ذلك فان أزمة الطاقة والحصار الأمريكي على الموانىء الإيرانية بسبب اغلاق ايران لمضيق هرمز لابد ان يضع الصين في واجهة الأزمة بين الولايات المتحدة و ايران .
تاسيسا على ماتقدم فان زيارة ترامب للصين ولقاءه مع تشي جي بينغ لابد ان تتعرض لهذه الملفات الحيوية جنبا إلى جنب مع ملف تايوان قضية الصين المركزية . لذلك فان ادارة ملف العلاقات الاقتصادية بين القوتين العالميتين سيكون متلازما مع دور صيني يمكن لبكين ان تلعبه في المفاوضات وادارة الأزمة الراهنة الامريكية - الإيرانية . الإدارة الأمريكية المنسجمة مع اسرائيل تضع مطلب نزع البرنامج النووي الإيراني من حيث مستوى تخصيب اليورانيوم وترحيل اليورانيوم المخصب من داخل ايران سيحتل الموقع الاول في ملف ادارة الحرب والسلام مع ايران ، وهو الدور الذي تضطلع به حاليا شريكة الصين ،الباكستان . ان ذلك يترافق مع دور صيني لابد أن تلعبه في رفع القيود عن سلاسل التوريد للعالم من خلال مضيق هرمز والموانىء الايرانية وهو ملف متلازم مع الملف الاول والذي يضع ادارة العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين في مقدمة المفاوضات والتي ستحدد إمكانية توفر فرصة للتنسيق بين إدارتي القوتين العالميتين ليس فقط اتجاه سلاسل التوريد للطاقة ، انما مناطق النفوذ لكليهما في مختلف المناطق الجيوسياسية الامر الذي يثير امامهما العديد من قضايا تتطلب التوافق مثل قضية أزمة الحرب الروسية -الاوكرانية و قضية تايوان . بعبارة اخرى فان اي توافق أمريكي -صيني محتمل يمكن ان يعطي معنى توجه أمريكي عالمي للتوافق مع دور صيني عالمي يعيد رسم سياسات ومناطق النفوذ بين القوتين وذلك يعد اعترافاً بتغيير جدي في مجمل قيادة النظام الدولي نحو نظام متعدد الأقطاب تشارك فيه قوى محورية موازية ،وهو الثمن الذي لا أظن ان الصين ترفضه مقابل ممارسة الضغط الجدي على ايران . وبخصوص ايران فان المطالب الأمريكية من ايران تصبح واضحة المعالم حيث تثار قضايا ذات اهمية بالغة للمصالح الأمريكية في مجمل مناطق الشرق الأوسط وخاصة مناطق النفوذ الإيراني في محيطها العربي بسبب الارتباطات الأمنية رفيعة المستوى بين الإدارة الأمريكية والدول التي تتعرض للتهديدات الإيرانية وهي بلدان الخليج العربي فضلا عن سوريا و لبنان واليمن والعراق . لاجل ماتقدم فان السيناريوهات المحتملة يمكن تلخيصها بالاتي :
السيناريو الاول :
استمرار الضغط الأمريكي اقتصاديا على ايران المترافق مع دور صيني لاقناعها في القبول بالاشتراطات الأمريكية لتحقيق اتفاق شامل يشمل البرنامج النووي وبرنامج الصواريخ ومناطق النفوذ الإيراني تكون الصين فيه ضامنة لاتفاق سلام شامل فضلا عن روسيا .
السيناريو الثاني :
تصعيد أمريكي وقبول صيني وأوروبي بممارسة الضغط الاقتصادي عبر توسيع الدور الأمريكي في منطقة الخليج العربي ضمن اعادة تفعيل برنامج ادارة ترامب في الفتح الإجباري على ايران لمضيق هرمز المرتبط بتسيير السفن الحربية لحماية سلاسل التوريد في الخليج وهو الأمر الذي قد تجد فيه أوروبا والصين خيارا لابد منه لتجاوز الوضع المعقد الذي ادخلت ايران نفسها فيه من خلال استعداء جميع بلدان العالم المتضررة من استمرار اغلاق مضيق هرمز ومن بينها حلفاء الولايات المتحدة في الخليج العربي .
السيناريو الثالث :
الحرب واستخدام القوة العسكرية المفرطة من قبل الولايات المتحدة اتجاه ايران في حال عدم انصياعها للضغوط الدولية سواءا اتجاه خرقها للقانون الدولي في حق المرور المفتوح في مضيق هرمز أو اتجاه برنامجها النووي .
ان هذا السيناريو ستشارك به اسرائيل باقصى قدراتها كونه يشكل الحل المتبقي الحاسم في مسالة البرنامج الإيراني بذات الوقت الذي يشكل مخرجا ولو مؤقتا لمشكلة تقديم نتنياهو للمحاكم على جرائم متهم بها امام القضاء الاسرائيلي . كل من هذه السيناريوهات ممكن تحقيقه وفق طبيعة المتغيرات المحيطة في الموقف ،بيد ان سيناريو القوة العسكرية المفرطة يمكن ان يكون الخيار الاخير لادارة ترامب في حال لم يحقق الحصار والضغط نتائجه المقصودة .
في هذا السيناريو لابد ان نأخذ بنظر الاعتبار متغير المحيط العربي وخاصة الخليجي بنظر الاعتبار حيث ان بلدان الخليج بطبيعتها الجيوسياسية في هذا الموقف يمكن ان تتأثر بشكل خطير في الحرب (المتوقعة) حيث يمكن ان تستهدف جميع منشآتها الاقتصادية في الطاقة بشكل خاص كوسيلة درجت ايران على استخدامها في عملية خلط الأوراق خاصة بعد ان تأكد عدم إمكانية القواعد الأمريكية من توفير مظلة للحماية الفعالة لامن الخليج ،يعزز من ذلك توافر فرص الاستهداف اليسير من محيطها العربي حيث الفصائل الإيرانية في العراق واليمن .
وتبعا لما تقدم ،فان اياً من السيناريوهات او الاحتمالات المطروحة يتوقف ترجيحه على طبيعة تطورات الموقف ومدى استعداد ايران لتحمل تداعيات استمرار الحصار ، ومدى ماينتجه لقاء القمة في بكين من فرص لتغيير المعادلات الدولية تشتبك فيه المصالح العليا والاستراتيجيات الجيوسياسية للقوتين الأعظم في اعادة صياغة نظام دولي جديد .
وفي ظل هذا التشابك والتعقيد في الموقف واحتمالاته المستقبلية يبرز السؤال :
كيف هو حال المشهد في العراق ؟
والجواب عندي ان العراق في ظل كل هذه المتغيرات المحيطة والفاعلة فيه لم يعد يملك وقتا اضافيا للمناورة والخروج بموقف الماسك للعصا من الوسط ، والسبب انه البلد الأكثر تأثرا جيوبولتيكيا وجيو اقتصاديا بالموقف.
فهو جيوسياسيا مرتبط مع ايران بشكل متداخل منذ الاحتلال الامريكي له حتى صار يشكل جزءا من امنها القومي ، ادى ذلك إلى تصحره علميا وقضائيا واقتصاديا وقرارا سياسيا ومجتمعيا لصالح ايران بفضل الاحتلال الامريكي . من جهة ثانية فان الاحتلال الامريكي له عام 2003 جعله مكبلا باتفاقيات ومعاهدات وتواجد امريكي ،فضلا عن ارتباط وضعه النقدي بشكل شبه مطلق بالخزانة الأمريكية .
ان مسك العصا في الصراع بين الإدارة الأمريكية وايران لم يعد مجديا للعراق خاصة انه بعد تدمير مقدراته الاقتصادية لصالح الاقتصاد الايراني طيلة 23 سنة ، وارتباطه نقديا بوزارة الخزانة الأمريكية جعلته في حالة توافق بين الدولتين لم يعد استمراره امرا طبيعيا بعد وصول التخادم الامريكي -الايراني الى نهاياته للاسباب المعلومة .
الان يرتبط استمرار هذا المشهد العراقي بمستقبل العلاقات ونتائج الصراع بين الإدارة الأمريكية وايران وهو الوضع الذي يتحمل سيناريو العزل الاقليمي له عربيا اثر اتضاح السلوك الايراني العدائي للمنظومة العربية بشكل يصعب معه اعادة ترميم الموقف دون تغييرات جدية في النظام الايراني ذاته . أو اجراء تغيير جدي في منهجه ليعيد اتجاهات بوصلته. لذلك فان السفيرة الأمريكية إلينا رومانسكي كانت دقيقة في تصريحها بأن الحكومة العراقية المقبلة امام معضلة كبرى هي قدرتها على إثبات قدرتها في ان تكون جزءا من التغيير الاقليمي الذي يبدو قد بدأ فعلا بعد التغيير الذي شهدته سوريا ومايتحقق الان في لبنان وما سينتج من تداعيات في بلدان الخليج العربي .
إرسال تعليق