مشاهدات
نزار السامرائي
لما دخلت القوات العراقية إلى الكويت في 2 آب/أغسطس 1990، وجدت إيران أنّ هذا الحدث هدية هبطت عليها من السماء، إذ فتحت أبواب أزمة ليس من الممكن الخروج منها من دون تدمير استقرار المنطقة، وإضعاف دول طالما أرادتها أن تدور في فلكها من دون أن تمتلك قوة للمستقبل قد تشكل تهديدا لها، فلعبت طهران لعبتها المفضلة، لعبة مزدوجة لا تجيد دول كثيرة اتقان مفرداتها وفصولها، وأرى أنه من المفيد القول، إن العلاقات بين الدول لا تحركها المبادئ ولا أخلاق الفرسان، بل تتحكم في تفاصيلها الدقيقة المصالح المتبادلة، والتي تحسبها الدول بموازين دقيقة إلى حدود بعيدة، ولكن أي اختلال في ميزان تلك المصالح، قد يترك هامشا من الضغينة يدفع المتضرر إلى تحيّن الفرصة لرفع الضرر عن نفسه وتعديل الميزان لصالحه، وقد يلجأ إلى أساليب لا أخلاقية في هذا المسعى، فيذهب إلى الخزين الثقافي والتأريخي من موروثه في التعامل في مثل هذه الظروف، لتنفيذ واحدة من أفكار الانتقام المعدة سلفا، وعلى العموم يبدو أن منطق المراوغة والمخاتلة التي توارثتها أجيال إيران من تاريخ فارس القديم، أخذت قوة دفع من خلال إلباسها أردية التقية السياسية حتى على مستوى العلاقات الدبلوماسية كي تعطيها طابعا مقدسا، فمن جهة كان الرئيس الإيراني في ذلك الوقت هاشمي رفسنجاني قد ارتدى قناعا في علاقاته مع العراق، فأغدّق في تقديم ما اعتبره نصائح للعراق بعدم الانسحاب من الكويت في أي ظرف، ومن جانب آخر كانت إيران تنسق خططَا لتدمير العراق مع أطراف العدوان "ثأرا مؤجلا منها"، بما فيها الولايات المتحدة.
في ذلك الوقت استقبلت طهران ومشهد نائب الرئيس العراقي السيد عزة الدوري بترحاب غير مسبوق في تظاهرات شعبية، بل تم رفع سيارته على الأكتاف، ولما كان من المعروف أن التظاهرات في بلدان العالم الثالث لا تخرج إلا بأوامر رسمية أو تتعرض للقمع، أو أنها تخرج بموافقة حكومية، فعلينا أن نتوقع أن كل ما جرى من ترتيبات على مسرح الأحداث ومن أعلى المستويات، كان جزءا من عملية مخادعة كبرى خططت لها الزعامة الإيرانية، آخذة بنظر الاعتبار أن العراقيين عاطفيون أكثر مما يجب، وأنهم سينظرون إلى هذا الترحاب على محمل النوايا الصادقة، ولكن الزعامة الإيرانية كانت من جانب آخر تحضّر لانتقام فارسي تاريخي من العراق بأيدي الغير، وعندما عرض السيد الدوري على الزعامة الإيرانية استضافة عدد من الطائرات الحربية والمدنية العراقية ، لحمايتها من قصف التحالف المتوقع، أبدت حماستها لذلك لأنها كانت تُبيّتُ لخطةٍ لئيمة لا تفعل الدول مثلها، تتكون من نقطتين الأولى احتجاز الطيارين الذين قادوا تلك الطائرات إلى المطارات الإيرانية تعاملت معهم كأسرى حرب، والثانية بعد توقف العمليات الحربية، عندما تنكرت لالتزاماتها السابقة واحتفظت بالطائرات إلى ما بعد غزو العراق عام 2003، بل أشارت بعض التقارير الأخيرة إلى أن عددا منها تم تدميره في الحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، عندما وصل التأزم بين المجتمع الدولي وإيران إلى الذروة ، نتيجة لعدم استعداد إيران للتعاون مع الجهود الدولية للحد من طموحاتها النووية التي تهدد الأمن الإقليمي. وشهدت مرحلة ما بعد الثاني من آب وحتى بداية العدوان الثلاثيني في السابع عشر من كانون الثاني 1991، انعطافاً عربيا لافتا نحو طهران، وجلّد النظام الرسمي العربي نفسه بقوة، فبعضه قدّم الأرض بما فيها من قواعد جوية وممرات بحرية، وبعضه من وجد في نفسه "الشجاعة" لإرسال قوات النخبة لمقاتلة قوات كانت إلى الأمس القريب تدافع عن أرضه وأجوائه وتحمي عاصمته، فتوالت رسائلُ اعتذارٍ معيب من إيران وبطرق غريبة عن طباع العرب، وطلبت دول خليجية عدة، المغفرة من إيران عما بدر منها بسبب دعمها للعراق في حرب الثماني سنوات، ثم فتح بعضها الأبواب لإيران اطمئنانا إلى نواياها المعلنة من دون الغوص في قراءة تاريخ إيران في التنصل مما تقدمه من تعهدات ومواثيق. وشهدت فترة الحصار الاقتصادي الدولي الصارم على العراق، تقلبات انتهازية من جانب إيران، ففي الوقت الذي كانت تُظهر انحيازا كاملا إلى جانب الدول التي تضامنت مع الكويت، كانت تقدم دعما سريا مدروسا لتهريب النفط العراقي الممنوع من التصدير بموجب قرارات مجلس الأمن التي أخذت هذا الوصف وتم فرضها على المجلس من جانب الولايات المتحدة، وكانت تفعل ذلك من أجل الكسب المادي من تأدية دور المُهّربِ القادر على الافلات من الرقابة الدولية من جهة، وكسب ثقة العراق وطمأنته على نواياها الشريرة وما يفور في صدرها من نزعة انتقام من جهة أخرى.
حينذاك بدأت تطفو على السطح كل مخلفات الحرب العراقية الإيرانية، وجاءت معها بنزعة الانتقام التي تضمرها إيران، لا سيما التطبيق الانتقائي لقرار مجلس الأمن الدولي المرقم 598 لا سيما بنده الثالث الذي يقضي بالتبادل الشامل والفوري لأسرى الحرب، ففي الوقت الذي دفع العراق فيه إلى نقطة الحدود في المنذرية، أكثر من 90% من الأسرى الإيرانيين، استعادت إيران أسوأ ما في تاريخها مع العرب في التعامل مع الأسرى، فوجدت الفرصة النموذجية للانتقام من العراق وذلك باستغلال الفارق بين أرقام الأسرى العراقيين في إيران، مع نظرائهم الأسرى الإيرانيين في العراق والتي كانت كفتها تميل لصالح إيران، ففي السابع عشر من آب 1990 انطلقت عملية تبادل الأسرى بين البلدين، فدفع العراق بأكثر من سبعة آلاف أسير إيراني إلى الحدود، ودفعت إيران ما يعادلهم من الأسرى العراقيين، وتواصلت عمليات التبادل على هذا النحو أي بأعداد متكافئة، وبعد مرور نحو شهر على التبادل، أي يوم الخامس عشر من أيلول 1990 توقف التبادل، لأن العراق كان قد دفع بكل ما لديه من أسرى الحرب، اعتمادا على أن البند الثالث من قرار مجلس الأمن الدولي 598 التي يشير إلى أن التبادل يُلزم إيران بإطلاق جميع الأسرى، وحقيقة الأمر أن العراق كان يسعى إلى تصفير مخلفات الحرب مع إيران، مع ما في هذا التوجه من حسن نية مفرطة ببلد يحمل خزينا هائلا من نزعة ثأرية مع العراق، وفي إحدى خطوات التبادل المؤلمة أحضرت إيران عددا من الطيارين العراقيين الأسرى لديها بعد أن أبلغتهم بأنهم ضمن الدفعة المتفق عل إطلاقهم في اليوم التالي، فعاشوا أجواء احتفالية داخل أنفسهم استقبالا ليوم العودة إلى الأهل والوطن ، ولما لم يكن لدى العراق أسيرا واحدا من الطيارين (باستثناء الطيار الإيراني "الشگري" قائد طائرة "F5" الذي كان قد أسر بعد اسقاط طائرته في الخامس من شهر أيلول 1980)، وحرص العراق على الاحتفاظ به لأنه أهم وثيقة بشرية على بدء إيران للحرب على العراق وليس كما تدعي يوم الثاني والعشرين من أيلول، عند ذاك أعادت إيران الطيارين إلى معسكرهم وسط حالة من الأسى المكبوت والألم التي عاشها الأسرى الطيارون، ومع ذلك فقد تعامل الأسرى مع هذه الحرب النفسية التي تعددت صيغُها معهم، بثبات ولم تنحنِ رؤوسهم . ولما شنت ثلاثون دولة العدوان على العراق، واضطر العراق لسحب قواته تحت وابل من القصف الهمجي، على القوات المنسحبة على طريق العبدلي البصرة، وارتكب الحلفاء مجزرة وحشية غير مسبوقة في تقاليد الحروب، واندلعت ما تسمى "بالانتفاضة الشعبانية" والتي أطلق عليها العراق اسم "صفحة الغدر والخيانة "، بعد أن كانت إيران قد أعلنت بين الثاني من آب 1990 والسابع عشر من كانون الثاني/ يناير 1991، أنها قامت بتحشيد قوات كبيرة من الحرس الثوري، على حدودها الجنوبية الغربية، ولم تعلن شيئا عن أسباب ذلك الحشد، ولكن بعض التفسيرات المتفائلة أشارت إلى أن الأمر ينطوي على حذر مطلوب من أي بلد يرى النيران تقترب من حدوده ولا يريد لها أن تدخلها، لكن النتائج اللاحقة أظهرت أن إيران زجت بقوات كبيرة من الحرس الثوري في الأحداث التي جرت في العراق بعد وقف اطلاق النار مع التحالف الدولي، وتأكد من خلال التحقيقات التي أجريت مع المعتقلين أن 169 ضابطا من استخبارات من الحرس الثوري كانوا بين المعتقلين، وأن إيران كانت تُبيت لخطة انتقامية عبر ذلك الحشد.

إرسال تعليق