مشاهدات
عبدالله سلمان
ليست كل الحروب متشابهة في دوافعها وأهدافها. فكثير من النزاعات التي شهدها العالم عبر التاريخ اندلعت بسبب خلافات حدودية، أو صراع على الأرض، أو تنازع على السيادة بين دول متجاورة. غير أن الصراع مع إيران يختلف في طبيعته عن هذا النمط التقليدي من الحروب؛ فهو لا يقوم على خلاف جغرافي محدود، ولا على نزاع حول خط فاصل بين دولتين، بل يرتبط بمشروع سياسي وأيديولوجي أوسع يتجاوز الحدود الوطنية. والدليل على ذلك أن الحرب الدائرة اليوم مع إيران لا تجمع أطرافًا تتنازع على حدود مباشرة. فالولايات المتحدة لا تملك حدودًا مشتركة مع إيران، وكذلك إسرائيل لا تخوض معها نزاعًا حدوديًا بالمعنى التقليدي. ومع ذلك، إن هاتين القوتين في قلب المواجهة معها. وهذا وحده يكشف أن عنوان الحرب الحقيقي ليس الأرض، ولا ترسيم الحدود، ولا الخلاف على شريط جغرافي، بل الصراع على النفوذ، والأمن الإقليمي، ومنع تمدد مشروع سياسي وعسكري يتجاوز الدولة الإيرانية إلى عمق المنطقة. انه صراع على اتجاه المنطقة ومستقبل توازناتها ومواجهة مع نهج خارجي قائم على التمدد والتأثير خارج الإطار الطبيعي للدولة، من خلال توظيف الشعارات الثورية، وبناء شبكات نفوذ عابرة للحدود، ودعم قوى مسلحة وسياسية تعمل في ساحات عربية مختلفة. فإن اختزال هذا الصراع في زاوية عسكرية أو ملفات نووية او بالستية فقط يمثل تبسيطًا مخلًا لطبيعة الأزمة، لأن جوهرها الحقيقي يكمن في محاولة تغيير موازين القوة وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية.
لقد جعلت سياسة تصدير الثورة من إيران طرفًا حاضرًا في أزمات متعددة داخل المنطقة، لا بوصفها دولة تدافع عن حدودها فحسب، بل كقوة تسعى إلى توسيع نفوذها وفرض رؤيتها السياسية والعقائدية والأمنية خارج مجالها الوطني. وهذا لا يظهر فقط من خلال الخطاب السياسي، بل عبر أذرع عقائدية وتنظيمات مسلحة وشبكات نفوذ تتوزع بين لبنان والعراق واليمن وغيرها من الساحات، بما جعل القرار الوطني في بعض الدول عرضة للتأثير الخارجي والاصطفاف فوق التوافق الوطني. كما لا يمكن فصل المواجهة عن البعد النفطي وأمن الطاقة؛ فالولايات المتحدة تسعى إلى منع إيران من امتلاك قدرة على التحكم بممرات النفط أو استخدامها كورقة ضغط، مع تعزيز نفوذها الاستراتيجي في واحدة من أهم مناطق الطاقة في العالم . كما ان "الغضب الملحمي" لم تكن مجرد ضربة عسكرية عابرة، بل محطة مفصلية في حرب الاستراتيجيات مع إيران؛ مرحلة انتقلت فيها واشنطن من سياسة الاحتواء والردع إلى فرض وقائع ميدانية جديدة، تمهيدًا لتسوية سياسية تخدم تصورًا أمريكيًا لشرق أوسط جديد تكون فيه إسرائيل قوة نافذة ومؤثرة، بينما يجري تقليص قدرة إيران على التمدد والتحكم بمسارات الأمن والطاقة والنفوذ في المنطقة.
ان المشكلة لا تقتصر على تخصيب اليورانيوم، ولا على مدى الصواريخ وقدراتها التقنية، بل ترتبط بالسؤال الأوسع :
كيف ستتصرف إيران في المنطقة إذا امتلكت قدرة نووية متقدمة، أو احتفظت ببرنامج صاروخي واسع، وهي تواصل في الوقت نفسه دعم جماعات مرتبطة بها سياسيًا وعقائديًا خارج حدودها؟
إن أي تفاوض لا يتناول علاقة إيران المستقبلية بأذرعها الإقليمية يبقى تفاوضًا ناقصًا؛ لأنه يعالج أدوات القوة الظاهرة ويتجاهل شبكة النفوذ التي تمنح طهران قدرة مستمرة على الضغط والتعطيل والتأثير داخل دول ذات سيادة. فالبرنامج النووي والصواريخ يمثلان جانبًا مهمًا من معادلة القوة، لكن الأذرع العقائدية العابرة للحدود تمثل الجانب الأكثر تعقيدًا، لأنها تعمل داخل مجتمعات ودول قائمة، وتربط جزءًا من قراراتها السياسية والأمنية بمركز أيديولوجي خارج الإطار الوطني . ولا يمكن فهم هذه الإشكالية بعيدًا عن فكرة ولاية الفقيه وتصدير الثورة، باعتبارهما منطلقين رئيسيين في الخطاب السياسي الإيراني بعد عام 1979. فقد منحت هذه الرؤية طهران أساسًا أيديولوجيًا للتدخل في شؤون المنطقة، تحت عناوين مختلفة مثل نصرة الحلفاء أو حماية المحور أو المقاومة . فلا معنى لاتفاق يقيّد التخصيب ويترك الأذرع المسلحة تتحرك بحرية، ولا قيمة لتفاهم حول الصواريخ إذا بقي التدخل في شؤون الدول قائمًا عبر شبكات الولاء العقائدي والسياسي. فاستقرار المنطقة لا يتحقق بمجرد ضبط أداة واحدة من أدوات القوة، بل يحتاج إلى مراجعة شاملة للنهج الذي جعل من الساحات العربية أوراقًا للتفاوض ومناطق نفوذ مفتوحة . فإن توصيف الحرب مع إيران باعتبارها حربًا ملفات نووية وبالستية لا يعكس حقيقتها. فهي حرب صراع استراتيجيات ، يدور حول كبح مشروع توسعي، ومنع فرض واقع إقليمي جديد يقوم على التدخل والهيمنة غير المباشرة. وما لم يتم التعامل مع جذور هذا المشروع، لا مع نتائجه فقط، فإن أي تهدئة ستبقى مؤقتة وأي اتفاق سيظل ناقصًا، وأي استقرار في المنطقة سيبقى مهددًا بالعودة إلى نقطة الصفر.

إرسال تعليق