د. مصطفى عبدالقادر
أستاذ جامعي
كان نظام الملالي قد اتخذ قراراً بأنه في حال تعرضه لهجوم أمريكي فسوف يهاجم دول المنطقة، وكان قد أعدّ مسبقاً خططاً لإغلاق مضيق هرمز باعتبار ذلك جزءاً من خياراته الاستراتيجية، وخلال الحرب وبسبب خوفه من اندلاع انتفاضة شعبية عمد إلى مليء الشوارع ليلاً بالقوات العسكرية ولا يزال مستمراً على هذا النهج القمعي حتى اليوم، وما يعبئه النظام ضد الشعب الإيراني اليوم يفوق بكثير ما يعبئه على جبهاته العسكرية الخارجية الأمر الذي يؤكد أن النظام مدرك تماماً للمخاطر من حوله ولا يرى في الجبهات الخارجية تهديداً لوجوده بل يرى في هذه الجبهات الخارجية أيضاً سنداً داعماً بشكلٍ أو بآخر في قمع الشعب الإيراني وترويض دول وشعوب المنطقة. لم يكن أمام النظام سوى الاستمرار في المسار الذي سلكه حتى الآن؛ ذلك لأنه لا يملك القدرة على التراجع .. فهو يخشى أن يؤدي أي تراجع إلى تسريع سقوطه، ولهذا فإنه لن يتراجع إلا عندما يصل إلى نقطة الصفر ويتيقن بأنه بات على حافة الانهيار، ويقوم تحليل النظام على أن الأطراف المقابلة لا تنوي إدخال قوات برية، وعليه يرى النظام أن الحرب أقل خطراً على بقائه من خيار التراجع. مخطئ من ينتظر إسقاط النظام الإيراني من خلال مواجهة المعسكر الغربي له عسكرياً أو من خلال الضربات الجوية والتي مهما بلغت فعاليتها فإنها ليست الطريق الذي يؤدي إلى إسقاط النظام.. وعليه فإن عدم سقوط النظام لا يعود إلى قوة النظام أو إلى حنكته بل إلى أن الحرب أو الضربات الجوية ليست المسار الصحيح لإسقاطه وإنما يكون إسقاطه من الداخل من خلال الشعب ومقاومته والخيار الثالث الذي طرحته المقاومة الإيرانية. يضربونه يحاصرونه يسوقون له ولأدوات بقائه ويتحدثون عن التغيير في إيران، وفي حقيقة الأمر أنهم لا يريدون تغيير النظام بل الإبقاء عليه مع تقليم أظافره وإدخاله الطاعة.. ومن ناحية أخرى فإن القول الذي يتردد أحياناً في بعض وسائل الإعلام الأجنبية أو لدى بعض المحللين بأن النظام أصبح أقوى.. إنما هو قولٌ يعكس في الحقيقة سطحية في القراءة وعدم فهم دقيق للواقع الإيراني.. وحتى داخل الولايات المتحدة فإن بعض الأطراف التي تتحدث عن "قوة النظام " إنما تفعل ذلك في إطار صراعاتها السياسية الداخلية وليس استناداً إلى تقييمات عسكرية أو سياسية دقيقة، والخطأ الفادح في هذه القراءة أنها تحصر المعادلة بين النظام والأطراف المقابلة؛ بينما معادلة إسقاط النظام أو بقائه لا تُحسم ضمن هذا الإطار وحده.. فهناك عنصر أكثر أهمية يجري تجاهله بالكامل وهو الواقع الداخلي الإيراني.. الشعب الإيراني والمقاومة الإيرانية؛ ذلك لأن مسألة التغيير في إيران تُحسم أساساً في العلاقة بين الشعب والمقاومة من جهة، والنظام من جهة أخرى.. وأما مصير النظام فسيتحدد في النهاية على يد الشعب والمقاومة الإيرانية .
من يتابع أخبار الداخل الإيراني يدرك بوضوح أن نظام الملالي كان هشاً ضعيفاً متصدعاً لولا دعم الغرب له.. واليوم أصبح أكثر هشاشة وضعفاً مما كان عليه من قبل، ويتضح ذلك من خلال قراءة أحداثٍ منها انتفاضة يناير الماضية التي كانت ضربة كبرى للنظام، وتركت آثاراً وتداعياتٍ عميقة، ورغم أن النظام قد تمكن مؤقتاً من قمعها عبر المجازر التي ارتكبها خلال الانتفاضة إلا أنه من الناحية الاجتماعية لم ينجح في تقليص حالة السخط بل زادها عمقاً وزرع بيده بذور انتفاضات أكبر في المستقبل. شكل مقتل علي خامنئي الذي كان يمثل العمود الفقري للنظام ضربة استراتيجية قاسية للنظام إضافة إلى مقتل عدد كبير من كبار القادة والمسؤولين فيه.. بينما كل الكوارث والأزمات التي كانت قائمة قبل الانتفاضة لم تتراجع قيد أنملة.. لا بل تفاقمت أيضاً أكثر من ذي قبل، وتحتاج تلك التفاصيل إلى تقرير مستقل. خلّفت الحرب الأخيرة خسائر مادية هائلة زادت من تعقيد أزمات النظام، وقد قدّرت المتحدثة باسم الحكومة حجم الخسائر بـ270 مليار دولار تشمل الدمار وتوقف الإنتاج واختلال الاقتصاد الكلي، وحتى لو كان هذا الرقم دقيقاً فإنه يعادل نحو 90% من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للبلاد. كان معدل التضخم السنوي قبل انتفاضة يناير 43% وفق الأرقام الرسمية للنظام.. بينما تجاوز خلال الشهر الماضي 73%.. كما كتبت صحف النظام ما مفاده أن أسعار بعض المواد الغذائية قد ارتفعت بنسبة وصلت إلى 300%، وفي 8 مايو أعلنت وكالة "إيلنا" الحكومية أن رواتب العمال والموظفين تعادل ثلث خط الفقر موضحة أن متوسط الرواتب يبلغ 24 مليون تومان بينما يصل خط الفقر في المدن إلى 70 مليون تومان.. وأما صحيفة "جهان صنعت" فقد كتبت في هذا السياق في 10 مايو أن معيشة الناس تتجه نحو الانهيار وأن راتب العامل لا يتجاوز 88 دولاراً.. كما كتبت قناة "تلغرام چند ثانیه" الحكومية في 10 مايو أن أسعار المواد الغذائية قفزت بنسبة 148% مقارنة بالعام الماضي وأن تكلفة السلة الغذائية للعائلات أصبحت ضعف ما كانت عليه.. كذلك لم تُحل الأزمات الكبرى المتعلقة بالكهرباء والمياه والطاقة بعد.. لا بل ازدادت تعقيداً وتفاقماً، ومن جهة أخرى يفرض الحصار البحري ضغوطاً اقتصادية إضافية على النظام، وفي هذا السياق يقول مسؤول سابق في وزارة الخارجية الإيرانية إن نحو 90% من واردات إيران من حيث الوزن تمر عبر الحدود البحرية في الخليج وبحر عمان. نعمة النفط قد تصبح كارثة بلغ إنتاج النفط الإيراني قبل الحرب 3.8 ملايين برميل يومياً، وكان النظام يصدر 2.2 مليون برميل منها ويستهلك 1.2 مليون داخل البلاد ويخزن الباقي، وتبلغ القدرة التخزينية الإجمالية للنظام في المنشآت البرية والعائمة نحو 190 مليون برميل؛ وقد امتلأ أكثر من 60% منها حالياً.. وإذا لم يتمكن النظام من تصدير النفط فإن بقية السعات التخزينية ستمتلئ خلال ثلاثة إلى خمسة أسابيع فقط.. عندها تبدأ الكارثة؛ ذلك لأن النظام سيضطر إلى وقف استخراج النفط من الآبار تدريجياً.. وإذا لم يفعل ذلك فلن يكون أمامه سوى إعادة ضخ النفط في آبار أخرى أو حرقه، وهو ما سيؤدي إلى دمار الآبار وإحداث كوارث بيئية كبرى. إن ما نورده هنا هو ما نستسقيه من خلال تصريحات مسؤولي النظام وما تورده وسائل إعلام النظام . حيث قال نائب وزير التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي مؤخراً " ;إن الحرب دمّرت مليون وظيفة بشكل مباشر ومليوني وظيفة بشكل غير مباشر" وهي أرقام مرعبة بكل معنى الكلمة. الأذرع الإقليمية كان وكلاء النظام وأذرعه في المنطقة يشكلون ورقة قوة أساسية في التوازن الإقليمي والدولي، وكان لهم دور حاسم في الحفاظ على النظام.. لكن هذه الأذرع تعرضت خلال العامين الماضيين لضربات شديدة كما أن سقوط نظام الأسد حرم النظام الإيراني من إحدى أهم أدوات قوته؛ فقد كان خامنئي يكرر دائماً "إذا لم نقاتل في سوريا والعراق ولبنان واليمن فسوف نُضطر للقتال داخل المدن الإيرانية " ;، وكان يقصد بذلك أن ضعف النظام في الخارج يعني بدء الانتفاضة داخل إيران.. وقتاله وكل الصراعات والمناوشات الخارجية كان النظام الإيراني يديرها خارج أراضيه ليس من قبيل الحرص على حلفائه في المنطقة بل من أجل امتلاك أوراق للمساومة والمقايضة، ولم يكن هؤلاء جميعاً سوى أدوات وقرابين في ساحات المعارك والأحداث شواهد. وتبقى الحقيقة أسيرة المتآمرين والعقول الأسيرة.. ونبقى نحن وأنتم من الساعين وراء الحقيقة...

إرسال تعليق