ثلاث أسئلة مهمة، ومتداخلة

مشاهدات



د. ضرغام الدباغ


في خضم الأحداث المتشابكة، تتبادر للذهن أسئلة حساسة، ومترابطة بشكل ما، لها منطلقات ، أو مآلات مشتركة، أطرحها على صديق عزيز أرتأيت أن أجيب عليها ، وهو أستاذ جامعي، استطاع أن يجد الخيط الذي يربط بين ثلاث أسئلة، عن ثلاث أحداث متقاربة من حيث زمن وقوعها، وأعتقد أن أقتراب زمن وقوعها ، هو ما حمل صديقي على تصور فرضية ربما أن للموضوعات علاقة ببعضها ... ولأهمية الأسئلة، قررت أن أجيبه عليها تحريرياً، وسوف أنشر الاسئلة والإجابات عليها. وقد سبق لي أكثر من مرة، أن وجهت لي أسئلة طلب مني الاجابة عليها، 3 أو 4 مرات من محطات تلفاز عربية، ومرة من محطة تلفاز أجنبية، أستلمت الاسئلة وطلب مني الاجابة عليها أمام العدسات، ولكن بالتسلسل الذي وصلني، دون حذف سؤال، أو تقديم سؤال على آخر، كنت على وشك أن أرفض هذا الطلب، ولكن لأهمية القناة وأهمية الاسئلة والمقابلة وافقت وفعلاً تمت المقابلة في إحدى العواصم الأوربية، وفي كل الحالات كنت ألخص الأسئلة والاجابات وأنشرها، في الصحافة المكتوبة أو الرقمية (المواقع على الانترنيت) . وها أنا أجيب صديقي الاستاذ الجامعي، وإليكم نصوص الاسئلة والاجوبة .

السؤال الأول :
هل تعتقد أن الولايات المتحدة عملت أو لم تمانع، أو سهلت وصول الخميني إلى الحكم في إيران ؟

الجواب :
نعم بكل تأكيد، وهذه المعلومة لم تعد سرية، بل أن القائد العسكري الذي أدار هذه العملية وكانت الاستخبارات العسكرية الأمريكية قد أوفدت (جنرال بأربعة نجوم) الفريق أول طيار روبرت ارنست هويزر Robert Ernest Huyser قائد القوات الجوية الأمريكية في أوربا، لكي يتأكد بنفسه ويشرف على منع ضباط الجيش الإيراني من دعم نظام الشاه أو القيام بتحرك عسكري وقمع الثورة . ومن ثم فقد أبلغ الجنرال الأمريكي الشاه نفسه بصراحة تامة، بأن الولايات المتحدة ليست في وارد الدفاع عن نظامه، وإن اختار مغادرة البلاد، فذلك هو أفضل الخيارات. رغم أن السفير الامريكي في طهران كان يرى ، وكذلك وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن، ضرورة إنقاذ نظام الشاه.(1)

القيادة الامريكية كانت تراقب الوضع بدقة شديدة، وعلى علم بما يدور حتى في أزقة طهران، وفي حسابات دقيقة وجدت أن أفضل القوى المرشحة لقيادة الدولة بعد الشاه الوشيك السقوط، وهي القيادة الدينية المنبثقة من المؤسسة الدينية الكلاسيكية في قم، وهي أفضل من كافة الخيارات الأخرى :

• الخيار الأول :
وهو أسوأ الخيارات كان يتمثل بالحزب الشيوعي الإيراني (تودة) القوي في كافة أرجاء إيران متحالفاً مع اتحاد النقابات الإيرانية التي هي أول من أشعل شرارة الثورة الشعبية.

• الخيار الثاني :
التيار التحرري الديمقراطي / الاشتراكي الذي يمثله الحزب الديمقراطي الإيراني حزب بزركان، وشاهبور بختيار، ولهم وجود قوي في أوساط الليبراليين والمثقفين، والجيش والبازار، وتيار لا يمكن تجاهله، ولكنه ليس الخيار الأول.

• الخيار الثالث :
ويتمثل بالحركة اليسارية مجاهدي خلق، وهي تضم شخصيات وأجنحة يسارية ماركسية، وهكذا لم يتبق أحد ممن تمنحه الولايات المتحدة قبلة الحياة، سوى خيار التيار اليميني الديني المعادي للشيوعية والاشتراكية ولكل آفاق التقدم والتنمية الاجتماعية, (2)

وهكذا ، أتفق التوجه مع كتاب أصدره الرئيس الأمريكي ، ريتشارد نيكسون (هكذا فقدنا السلام / Nixon, R.: So haben wir den Frieden verloren) أن الاستراتيجية الأمريكية المثلى هي مواجهة التوسع السوفيتي في شتى البؤر هي تنشيط ودعم التيارات الدينية كما في بولونيا، وإيران، وجنوب أفريقيا. فالتوجه الأمريكي كان نظريا وعملياً وسياسياً، صاغت منه الدوائر الاستراتيجية استراتيجيتها في دعم الخميني وإيصاله للحكم . فالحركات الدينية ليست معادية جوهرياً للرأسمالية والديمقراطيات الغربية. (3)

السؤال الثاني :
كيفية خروج الخميني من العراق:

الجواب:
الخميني كان لاجئاً في العراق، وكان برعاية الدولة وحمايتها. وحين أندلعت الثورة الإيرانية، بدأ الخميني يتدخل بها تدريجياً حتى أشتد نشاطه، وطلبت منه السلطات تخفيف نشاطه، لإن من أولى شروط اللجوء السياسي هو عدم التدخل في الشؤون السياسية. وخاصة في بلد اللاجئ نفسه، وكان على العراق أن يحترم الاتفاقية التي وقعها مع نظام إيران، على أساس عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدين, وحين طلب العراق منه الألتزام بشروط اللجوء، رفض وطلب مغادرة العراق . فأجيز طلبه ليغادر العراق إلى حيث يشاء. (4)

السؤال الثالث :
هل أحيط العراق علماً العراق، بأتفاق غورباتشوف مع بوش الأب في قمة مالطا وإنهاء الحرب الباردة ؟

الجواب :
كلا، ولكن تسربت أنباء، من جهات ربما جس نبض للاطلاع ولكن لا يمكن وصفها بالرسمية، أن السوفيت (الروس) تنازلوا عن علاقات وعن الالتزام بالدعم وفق أتفاقيات الصداقة المعقودة مع عدد من الدول ومن جملتها العراق, والجنرال السوفيتي (الروسي) الذي كان من قادة الجيش المشهورين لكفاءته وأداءه الجيد، الجنرال (س) والذي صرح في تلك الأيام مباشرة، فترة حل وتفكيك الأتحاد السوفيتي، وأنتقد بشدة الأحداث التي رافقت التفكيك، رافضا تخلي روسيا (كوريث للأتحاد السوفيتي ) عن حلفاءها وأصدقاءها، ومنهم الدول العربية التي قال عنها :

الأمر يشبه إدخال ثور هائح إلى صالة مليئة بالزجاج سيقوم الثور الهائج بتدميرها .

على كل حال كان من المتوقع تماماً، أن يتخلى الروس عن أصدقاءهم (في تلك المرحلة الحرجة) وكان هذا موضع أمتعاض من الكوادر الشيوعية في الدولة . وهذا الامر كان شائعاً في روسيا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتب الجنرال (الفريق أول الطيار) ارنست هويزر Robert Ernest Huyser فيما بعد مذكراته وهي بعنوان : An Ihren Händen klebt Blut/
أياديكم مضرجة بالدماء،
صدرت مترجمة للعربية ، د. ضرغام الدباغ، دار ضفاف، الدوحة، الأمارات العربية، الطبعة الأولى عام2015
(2) والجهات الأمريكية اليوم تعلم ما يدور في بغداد
(3) Nixon R: So haben wir den Krieg verloren; Hamburg 1980
(4) في كافة دول العالم، عدم التدخل بالشؤون السياسية هي شرط من شروط قبول اللجوء السياسي لأي شخص.

تعليقات

أحدث أقدم