في شروط ترامب أمام رئيس الوزراء العراقي

مشاهدات


د. ولاء سعيد السامرائي


"تهانينا لعلي الزيدي على ترشيحه ليكون رئيس وزراء العراق القادم ! نتمنّى له التوفيق في عمله لتشكيل حكومة جديدة خالية من الإرهاب، وقادرة على تقديم مستقبل أكثر إشراقاً للعراق . نتطلّع إلى علاقة جديدة قويّة، نابضة بالحياة وعالية الإنتاجية بين العراق والولايات المتحدة . هذه بداية فصل جديد هائل بين بلدينا، ازدهار واستقرار ونجاح لم يشهد له مثيل من قبل"... 


بهذه الكلمات، هنّأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المكلّفَ بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة علي الزيدي، وسط دهشة (وتعجّب) حيتان "الإطار التنسيقي" الذين يتقاسمون الكعكة العراقية منذ 23 سنة، ويتخوّفون من ضياع السلطة منهم، بسبب فرض الولايات المتحدة، وللمرّة الأولى منذ 23 عاماً، اسم رئيس الوزراء من دون تنسيق مع الجانب الإيراني. ليست تهنئة الرئيس الأميركي هذه بروتوكولية تقليدية، بل تحمل شروط ترامب لعلي الزيدي وللحكومة المقبلة، تبدأ من تشكيل حكومة خالية من الإرهاب، بما يعني إقصاء المليشيات الولائية والسلاح المنفلت من الدولة، وفكّ الارتباط مع إيران، وأن تعمل الحكومة المقبلة فقط من أجل أفق ومستقبل للعراق مع الولايات المتحدة. وتأتي هذه الشروط بعد رسائل عدة من ترامب أعقبت الانتخابات العراقية، وكانت صريحة وواضحة بأنّ الإدارة الأميركية لا ترغب في استمرار حكم "الإطار التنسيقي" وشخصياته التي تنفرد بالسلطة منذ غزو العراق في 2003، وتعتدي أحزابها ومليشياتها على السفارة الأميركية، والوجود الأميركي المنظّم، بموجب الاتفاقية الأمنية الموقّعة بين الولايات المتحدة والعراق.


كما أنّ زيارة المبعوث الأميركي الخاص، توم برّاك، قبل أسابيع، العراق، ولقاءه مع نوري المالكي، ومطالبته بعدم الترشّح لرئاسة الوزراء مجدّداً، كانت بداية التغيير الذي خطّطت له الولايات المتحدة ، ويطرق باب العملية السياسية اليوم، ويريده الرئيس ترامب شخصياً، وهو كلّم المكلّف برئاسة الوزراء، علي الزيدي، هاتفياً . 


إنّ اختيار الزيدي (رئيس بنك الجنوب الإسلامي) المفاجئ حدث بعد زيارات ومباحثات عدة للمبعوث برّاك، الصديق المُقرَّب من ترامب ، أجراها في العراق، حاملاً وجهات نظر خاصّة بأوضاع المشرق، والذي أبعد بلباقة ترشيح نوري المالكي المُصرّ على العودة إلى رئاسة الوزراء لفترة ثالثة، رغم وجود أكثر من "فيتو" من الرئيس ترامب الذي منع، أيضاً، عودة محمّد شياع السوداني (رئيس الوزراء السابق).


تشير التسريبات المتداولة في الإعلام عن تكليف الزيدي إلى اتصال هاتفي بين ترامب والزيدي دام 35 دقيقة، وقول ترامب : 


"لا نريد وسطاء في بغداد. اشتغل معي مباشرة". 


وتسريب هذه الجملة من المكالمة، التي تمنّى المالكي والسوداني أن تكون معهما وكانا مستعدَّين، بحسب شيخ مقرّب من الإطار، لدفع مليار دولار (دفعها محمّد شياع السوداني ليقبل ترامب رئاسته في دورة ثانية؟) كانت كفيلة بزعزعة أحزاب العملية السياسية، أوّلها "الإطار التنسيقي" وقياداته، ويبدو أنهم سارعوا إلى إعادة تشكيل مراكز القوى، وانسحبت كتل وشخصيات لها وزنها، إذ يقال إنّ 90% من مؤيّدي نوري المالكي قد انفضّوا عنه، لتنهار التحالفات التقليدية . ورافق ذلك تلميحات إنسحابات كُبرى، خاصّة ممَّن يتشاورون من الأحزاب والشخصيات الكردية وبعض الشخصيات الشيعية، في واشنطن، مع مراكز التفكير التابعة للمحافظين الجدد، ما ينذر بحلّ التحالف الحاكم، وتشكيل كتلة جديدة تتوافق مع التغيير الأميركي. 


فيما تلقّت بعض الكتل والأحزاب هذه العبارة، التي كانت تنتظرها بفارغ الصبر، بارتياح كبير للتخلّص من الهيمنة الإيرانية، معتبرة إيّاها رسالة مشجّعة تدفع إلى اتخاذ موقف قوي لدعم المكلّف الزيدي . وقد هدّد "الإطار التنسيقي"، بدءاً بسحب مرشحيه وعدم منح الثقة للزيدي في البرلمان، قبل أن يُصار إلى عقد اجتماع طارئ في منزل عمّار الحكيم للتشاور، انسحب منه، بحسب وكالة البرهان الإخبارية ، اثنان من أقطاب "الإطار التنسيقي"، هما حيدر العبادي وقيس الخزعلي. وحالما أخبر الزيدي ترامب بموقف "التنسيقي"، جاء الردّ الأميركي حاسماً في صورة "إنذار أخير"، إذ هدّد المسؤولون الأميركيون بأنّ عدم احترام برنامج الزيدي سيؤدّي إلى قطع التحويلات المالية، وإيقاف تدريب الجيش، والمساعدات المادّية للعراق، إضافة إلى عقوبات أخرى.


اختيار علي الزيدي (رئيس البنك، الجالس على عرش بضعة مليارات من الدولارات)، يبدو خطوة أميركية جدّية للتغيير السياسي في العراق، يُراد منها وقف نزيف نهب إيران موارد العراق، ووقف نهب الدولار الأميركي والمساعدات التي تقدّمها الولايات المتحدة، بما فيها مساعدات لمليشيات، ولوزارات الدفاع والأمن والداخلية، وبالأخصّ تعويض خسائر ومصاريف الولايات المتحدة التي يريد ترامب استرجاعها من العراق، بحسب تصريحات سابقة له، وسط حربه مع إيران التي تستنزف الخزانة الأميركية بمليارات الدولارات ، ليعوّضها بالنفط وببضعة مليارات سيطلبها من المكلّف تسوية بين البلدَين، ورهن استئناف الدعم الأميركي للعراق بتنفيذ هذه الشروط. كما رشُح من التسريبات أيضاً أنّ الرئيس الأميركي قد أعطى الزيدي فترة ستّة أشهر لإنجاز هذه المطالب. وبعكس ذلك، فإنّ وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي خدم في الجيش الأميركي، وكان ضابطاً في مدينة سامراء، إبّان غزو العراق عام 2003، وله خبرة في الشأن العراقي، صرّح بأنّه سيهتمّ بدعم خطّة الرئيس ترامب في القضاء على السلاح والمليشيات . لقد بدأت بعض المليشيات فعلياً تسليم أسلحتها، وأعلنت ذلك، كما فعل مقتدى الصدر الذي وجّه خطاباً يدعو فيه الزيدي إلى القضاء على السلاح المنفلت، لكن لا تزال هناك مجموعة مهمّة هي الأكثر تسلّحاً وارتباطاً بالحرس الثوري الإيراني، مثل مليشيا حزب الله وحركة سيّد الشهداء ، وحركة النجباء التي وُضع قائدها أكرم الكعبي في قائمة المطلوبين للولايات المتحدة، ووُضعت جائزة مالية قدرها عشرة ملايين دولار للقبض عليه، إضافة إلى عدد آخر من المليشيات التي ترى أنّها فصائل مقاومة إسلامية تابعة للمرشد الأعلى الإيراني فقط، وأنّ سلاحها مُقدَّس لا يمكن المساس به ولا التنازل عنه، وأنّها وسلاحها خطّ أحمر، خاصّة في الحرب على إيران. فهل سيتمكّن علي الزيدي وحكومته من التصدّي فعلاً لقضية السلاح المنفلت،  والمليشيات، وتنفيذ باقي الشروط الأميركية؟


بعد 23 عاماً من الغزو، تزايدت أعداد المليشيات، وتزايدت سطوتها وسلطتها وهيمنتها على مفاصل الدولة ومواردها، وقد سمحت لها جميع الحكومات العراقية بممارسة عملها، لأنّها اعتُبرت درعاً متيناً ، وسدّاً للدفاع عن وجودها السياسي، وأداة مسلّحة ضاربة لسلطة الحاكمية الشيعية، لكنّها، على الرغم من ذلك، وبعد أكثر من عقدَين، تجد نفسها منبوذة من غالبية العراقيين، لأنّها فشلت فشلاً ذريعاً في كسب ثقة العراقيين، وساهمت في تدمير الدولة العراقية، وغرقت في الفساد والطغيان، حتى تبرّأت الطائفة نفسها من أعمالها، بل إنّ التذمّر والتمرّد انفجرا من مناطق ومدن تُعدّ قلاعاً مذهبية، وأدّت فتنٌ إلى شحن الشعب العراقي بعضه ضدّ بعض، وإلهائه عن مطالب سيادته وتحرّره، وعن مطالبته بالعيش والحياة الكريمة والكرامة التي يقول العراقيون إنّهم فقدوها في بلادهم ويريدون استرجاعها اليوم . لقد نجح النموذج السوري في احتواء المليشيات التابعة للنظام وللحرس الثوري الإيراني. وربّما، في حال بدء عملية التغيير، سينجح التوجّه نفسه أيضاً في العراق، ويساهم الشعب العراقي نفسه في إحداث التغيير الذي يصبو إليه منذ سنوات، من دون إراقة للدماء أو مواجهة أو حرب طائفية تأكل الأخضر واليابس. ولكنّ استمرار سيطرة المليشيات على مفاصل الدولة، بعد أكثر من عقدَين، يصعّب مهمّة إقصائها من الفضاء الحكومي، ويتطلّب حكمة بالغة لحلّ هذه المعضلة التي صنعها الاحتلال الأميركي ـ الإيراني، لتتغوّل وتصبح الآمر الناهي في العراق. إنّ إقصاء المليشيات يعني فتح مواجهة مع إيران التي لن تتخلّى عن أدواتها، وخاصّة في العراق الذي أصبح منذ الغزو المُورّد المالي الأساس لها، وباباً للالتفاف على العقوبات الأميركية، ولن تتنازل بسهولة عن كنزها الذي لا ينضب، ولا عن مليشياتها. ينتظر الشعب العراقي بفارغ الصبر لحظة الحرّية والتغيير والانعتاق من سلاسل الهيمنة الأجنبية، ومن الاحتلال الإيراني ومليشياته الطائفية العنصرية التي تخنقه، وحوّلت بلده إلى جحيم، عاثت فيه فساداً ونهباً وقتلاً وتهجيراً وسجناً قسرياً لأبنائه، وتفقيراً وتجهيلاً.


لحظة الحرية قريبة، وربّما قريبة جدّاً، وعلى الشعب العراقي أن ينهض ليكنس بسواعده الطغاة . 







تعليقات

أحدث أقدم