مشاهدات
صباح الزهيري
يأتي العيدُ مجدداً , يطرق الأبوابَ مستأذناً في الدخول , لكنه يقف حائراً على عتبة وطنٍ غيّر الاحتلالُ ملامحه , وترك في كل زاوية منه ندبة , كُلُّ عَامٍ وَنَحْنُ نُحَاوِلُ أَنْ نَبْتَهِجَ , وسطَ بلادٍ أثقلتها الكآبة , وشرخَتها الانقسامات , حتى غدا الفرحُ فيها غريباً , والتفاؤلُ ضرباً من الوهم , كُلُّ عَامٍ وَالْجَهْلُ يَحْكُمُ طُقُوسَنَا , حيث يساقُ الكثيرون كالقطيع , يصفقون لمن استعبدهم , ويرددون شعاراتٍ لا يفقهون خلفياتها , ويهللون لجلاديهم في مفارقةٍ تدعو للبكاء والضحك في آنٍ واحد , كُلُّ عَامٍ وَنَحْنُ نَبْحَثُ عَنِ الْحُبِّ , ذاك الذي اضمحلَّ وتوارى خلف جدران الأنانية والمصالح الضيقة , بعد أن كان يعمر القلوب ويداوي الجراح.
يأتي العيدُ مجدداً , يدور في فلك المواعيد والرزنامات , لكنه حين يمرّ ببلادنا , يخلع بهجته عند الحدود , فلا يجد وراءها سوى هياكل أوطانٍ نخرها الاحتلال , ومجتمعاتٍ استعذبت القيود حتى نسيت طعم الحرية , إنها (( معايدة )) ترفض النفاق السائد , وتأبى أن تضع مساحيق التجميل على وجه واقعٍ مشوه , في بلادٍ كبّلها الغريب وخذلها القريب , كُلُّ عَامٍ وَبِلادُنَا تَغْرَقُ فِي كَآبَتِهَا المُرَّة , هذا الوطن الذي كان يوماً منبعاً للضوء , بات اليوم أسيراً تحت وطأة احتلالٍ لم يسلب الأرض وفقط , بل سطا على المستقبل , وشتت الهوية , وزرع الخوف في الأزقة , العيدُ هنا لا يجد بيوتاً يملؤها الفرح , بل يجد جدراناً متعبة , وأمهاتٍ يتدثرن بالصبر , وشوارعَ تفتقد الأمان , وذاكرةً جماعيةً مثقلةً بالخذلان والفقد . نحكي عن وعيٍ مُغيَّب , وقَطيعٍ يُسَاق , كُلُّ عَامٍ وَالجَهْلُ يَحْتَفِلُ بِانْتِصَارِهِ النَّمُوذَجِيّ , في العيد , تتبادل الجموع التهاني المكررة , ويمارسون الطقوس بآليةٍ مفرغة من المعنى , يتصرفون كالقطيع الذي يتبع الراعي حتى وإن كان يقودهم إلى المقصلة , إنه الجهلُ المقدس الذي يجعل المظلوم يبرر للظالم , ويدفع الضحية للتصفيق للجلاد , لقد نجح الاحتلال في هندسة العقول , وتحويل الشعوب إلى أدواتٍ تطحن نفسها بنفسها , في مشهدٍ تراجيدي يثير الشفقة والاشمئزاز معاً. انها عواطف جفّت , وحُبٍّ اضمحلّ , كُلُّ عَامٍ وَالْحُبُّ يَلْفِظُ أَنْفَاسَهُ الأَخِيرَة , لقد جفت الينابيع التي كانت تغذي الأرواح , في زمن الضنك والخوف , تراجعت القيم الإنسانية , واضمحل الحب ليحل محله منطق البقاء للأشرس , والأنانية المطلقة , والمصالح الضيقة , حتى العلاقات الإنسانية لوثتها الحسابات , وصار العيدُ مناسبةً للمظاهر الكاذبة والابتسامات الباهتة التي تُخفي وراءها قلوباً قاسية غادرها الدفء. انها مُعَايَدَةٌ سِيَّاقُهَا , خَارِجَ السِّيَاقِ و(( تَتِمَّةُ الِانْكِسَارِ )) , ولكي نصوغ هذا الامتداد الموجع ليكون قلباً للمعايدة , وحين نأتي على ذكر الحب في هذا الزمن , ندرك الفاجعة الأكبر :
حَتَّى الحُبُّ أَصْبَحَ سِيَاقُهُ خَارِجاً عَنِ السِّيَاقِ , لقد غدا الحبُّ في بلادنا غريباً , متسللاً , كمن يرتكب جريمةً أو يهرب بوعيه , كيف للحب أن ينمو في تربةٍ سمّمها الاحتلال , وسقاها جهل قطيع يقدس كاهنه , ويرتاد الموت ؟ الحب كـ (( تَكْلِفَةٍ )) لا تُحتمَل في واقعٍ يطحن الإنسان لأجل رغيف الخبز والأمان , صار الحب عبئاً عاطفياً ومادياً يعجز عنه المنهكون , الحب كـ (( لُغَةٍ مَهْجُورَةٍ )) عندما تتبلد العقول بفعل الجهل الممنهج , تجفّ الأرواح , تصبح المشاعر الصادقة عملةً ملغاة , ويُستبدل بالحب علاقاتٌ نفعية , وزيجاتٌ ميكانيكية , وصداقاتٌ تحكمها المصلحة والخوف , الحب كـ (( فِعْلِ تَمَرُّدٍ )) , أن تحب في مجتمعٍ كهذا , يعني أنك تسبح عكس التيار الجارف , يعني أنك تملك قلباً لم يستطع المحتل كسر رِقّته , ولم ينجح الجهل في تدجين وعيه , إنّ كينونة الحب اليوم أصبحت شاذة عن (( السياق العام )) , فالقطيع لا يعرف الحب , بل يعرف التبعية والغرائز الجماعية , والمحتل لا يزدهر إلا حيث تموت الرأفة وتنمو الأنانية. وحين يصبح الحب نفسه خارجاً عن السياق , فإننا لا نتحدث عن أزمة سياسية أو اقتصادية فحسب , بل عن انهيار وجودي كامل , ففي مناخٍ محكوم بالاحتلال والجهل , يتحول الحب من غريزة بقاء إنسانية ونبع للدعم , إلى (( رفاهية )) لا مكان لها , أو شذوذ عن القاعدة الجافة التي تفرضها البلادة الجماعية , إن هذه المعايدة ليست دعوة لليأس , بل هي مرآةٌ صادقة نضعها أمام مجتمعٍ يهرب من حقيقته , هي تحيةٌ لقلةٍ قليلة من الأحرار الذين لم تلوثهم لوثة القطيع , ولم تنطلِ عليهم ألاعيب المحتل , وما زالوا يقبضون على جمر الوعي والحب في زمن الرماد , (( كُلُّ عَامٍ وَأَنْتَ بِوَعْيِكَ.. فَهِيَ النَّجَاةُ الوَحِيدَةُ المُتَبَقِّيَة )) , إنها عيديةٌ خارجةٌ عن سياق النفاق الجماعي , صرخةٌ في وجه واقعٍ مأزوم , تذكيرٌ بأن العيد الحقيقي لن يكتمل إلا بوعي الشعوب , وانقشاع الظلم , وعودة الروح لوطنٍ يستحق الحياة , ورغم كل شيء , أرجو لكَ ولعقلك الحر ثباتاً ونوراً في هذا الظلام.
كُلُّ عَامٍ وَأَنْتَ (( خَارِجَ السِّيَاقِ )) تَحْمِلُ قَلْباً قَادِراً عَلَى الحُبِّ , رَغْمَ أَنَّ الحُبَّ فِي بِلادِنَا بَاتَ تهمةً , أو معجزةً , أو مأساةً أُخْرَى تُضَافُ إِلَى قَائِمَةِ الأَحْزَانِ.

إرسال تعليق