يقتبس المندلاوي الجميل من رواية طريق التبغ للكاتب الأمريكي إرسكين كالدويل ما يحمل عمقاً فلسفياً ونفسياً شديد الحساسية , ويعبر بدقة عن الصراع الأبدي بين الفطرة الأرض والحداثة المصنع/المدينة :
اهم ما تتميز به الارض عن المصانع , المصانع تشبه السيارات بعض الشبه - انها صالحة لقضاء فترة من الوقت يلهو بها الانسان , ولكنها لا تزوده بالحب الذي تغدقه الارض عليه , فالارض تسهر بشكل من الاشكال على مصلحة الناس الذين يبقون اقدامهم عليها , وحين يقف الناس طول الوقت على الالواح الخشبية المنصوبة في الابنية , ويمشون في الشوارع المفروشة بالاسمنت , فعندئذ تفقد الارض اهتمامها بالانسان , اي انه يريد ان يقول بأن المصانع والمدن تمنحنا الرفاهية والسرعة , لكن الأرض وحدها هي من تمنحنا الهوية والسكينة , فعندما نستبدل التراب بالأسمنت , لا نغير فقط مكان وقوفنا , بل نغير طبيعة مشاعرنا وانتمائنا.
يقارن كالدويل هنا بين الروابط العاطفية مقابل المادية الجافة , أو بين علاقة منفعة مؤقتة وعلاقة انتماء أبدي , فالمصنع كالسيارة , أداة , آلة , وسيلة لتحقيق غاية الإنتاج أو التنقل , وهي علاقة ميكانيكية جافة , تنتهي بانتهاء الغرض منها أو باللهو بها لفترة , المصانع لا تملك روحاً لتمنحها للإنسان , في حين تبدوالأرض كأم , عندما يضفي عليها كالدويل صفات بشرية حانية - تزوده بالحب , تسهر على مصلحة الناس - اي ان الأرض في وعي الكاتب - وفي وعي المجتمعات الزراعية عموماً - ليست مجرد تراب , بل هي كائن حي يبادل الإنسان العطاء بالعطاء , ويمنحه شعوراً بالأمان والاستقرار والجذور.
تلخص عبارة وحين يقف الناس طول الوقت على الألواح الخشبية , ويمشون في الشوارع المفروشة بالأسمنت مفهوم الاغتراب الإنساني في عصر الآلة الذي أنتجته الثورة الصناعية , عندما عزل الإنسان نفسه عن التربة الطبيعية بطبقات من الأسمنت والخشب المصنوع , وانقطعت الكهرباء العاطفية بينه وبين الطبيعة , فالأسمنت يمثل حاجزاً مادياً ونفسياً , يحمي الحذاء من الاتساخ , لكنه يحرم الروح من التواصل مع مصدرها الأول , ليستتبعه العقاب الصامت تفقد الأرض اهتمامها بالإنسان , وهنا تكمن الخاتمة المرعبة برمزيتها , الكاتب لا يقول إن الأرض تنتقم من الإنسان بتدميره , بل يقول إنها تفقد اهتمامها به , وهذا الجفاء الصامت من الأرض هو أقصى درجات العقاب , حيث يجد الإنسان الحديث نفسه وحيداً في مدن إسمنتية عملاقة , محاطاً بآلات صماء , فاقداً للسند الروحي الذي كانت توفره له الأرض عندما كان يحرثها بيديه ويسير عليها حافي القدمين .
تتناول رواية طريق التبغ بالأساس مأساة المزارعين الفقراء في الجنوب الأمريكي الذين تمسكوا بأراضيهم حتى وهي تجف , رافضين الذهاب للمصانع لأنهم يدركون غريزياً أن المصنع سيسلبهم إنسانيتهم , وهو طرح ينفذ مباشرة إلى عمق الفلسفة السياسية والاجتماعية , وبما يتيح لنا إسقاط ثنائية الأرض / المصنع التي صاغها كالدويل على جدلية السلطة الوطنية / سلطة الاحتلال والعملاء في العراق فالروابط الروحية والبنيوية في الحالتين تتشابه إلى حد مذهل , فالسلطة الوطنية كالأرض ,علاقة الأمومة والامتداد الطبيعي , وفي سياق النص , الأرض هي التي تسهر على مصلحة الناس وتغدق عليهم الحب , والامتداد الطبيعي السلطة الوطنية - في مفهومها الفلسفي النقي - وهي إفراز طبيعي للتربة المجتمعية , تماماً كما تنبت الشجرة من الأرض , هي تملك رابطاً عاطفياً وتاريخياً مع الشعب , وتستمد شرعيتها من هذا الانتماء المشترك , وحتى وإن تعثرت السلطة الوطنية أو قست في بعض المراحل , فإن مصيرها يظل مرتبطاً بمصير شعبها , إن جفت الأرض جاع الجميع , هناك سهر غريزي على المصلحة العامة لأن البقاء مشترك . سلطة الاحتلال والعملاء كالمصنع من حيث المنفعة الميكانيكية والجفاء العاطفي , المصنع في الاقتباس أداة صالحة لقضاء فترة من الوقت يلهو بها الإنسان , لكنها لا تزوده بالحب , وسلطة الاحتلال والعملاء تتعامل مع الوطن كمصنع أو حقل استثماري مغلق , العلاقة هنا ليست علاقة حب أو انتماء , بل علاقة إنتاج واستهلاك وتجميع أرباح , والمحتل والعميل لا يربطهما بالبلد رابط روحي , الوطن بالنسبة لهما عبارة عن خطوط إنتاج وثروات وموقع استراتيجي مواد خام يجب استنزافها قبل أن تنتهي فترة الصلاحية أو ينتهي اللهو , وكلاهما الأسمنت والعملاء يبدوان كأدوات لعزل الإنسان عن وطنه , وعندما يوضع الخشب والأسمنت , تفقد الأرض اهتمامها بالإنسان, وفي السياسة الطبقة الحاكمة العميلة أو سلطة الاحتلال تصنع عازلاً إسمنتياً وسياسياً ونفسياً بين المواطن وأرضه , يوضع أسمنت القوانين الجائرة , والتبعية الاقتصادية , وتشويه الهوية الوطنية , وعندما يُجبر المواطن على السير فوق هذا الإسمنت السياسي المفروض عليه , فإنه يدخل في حالة اغتراب سياسي , يشعر أن بلده لم يعد يعرفه , أو كما قال كالدويل : تفقد الأرض اهتمامها بالإنسان لتصبح العلاقة بين المواطن وأرضه علاقة وحشة واغتراب , لأنه يعيش في وطن يُدار بعقلية الآلة الجافة والشركات العابرة للحدود , لا بعقلية الدفء الوطني.
خلاصة القول , الاحتلال والعملاء يحوّلون الأوطان من أرض وكائن حي يمنح الهوية والأمان والامتداد التاريخي إلى مصنع كبير, مساحة ميكانيكية باردة للربح والنفوذ , بلا قلب وبلا ذاكرة , إنها مقاربة بالغة الدقة تنقل فلسفة الرواية من صراع اجتماعي-اقتصادي في الجنوب الأمريكي , إلى صراع وجودي - سياسي تعيشه الأمم المحتلة والمستلبة.

إرسال تعليق