مشاهدات
عبدالرزاق الزرزور
محامي وناشط حقوقي سوري
مدخل: تصعيد دموي في توقيت سياسي حساس
في الأول من أبريل 2026، وفي ظل تطورات إقليمية متسارعة وضغوط داخلية متفاقمة، أقدم النظام الإيراني على تنفيذ موجة جديدة من الإعدامات بحق سجناء سياسيين، معظمهم مرتبطون بمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية. هذا التصعيد، الذي جاء متزامناً مع انعقاد إحاطة عاجلة نظمها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، لا يمكن قراءته كإجراء أمني معزول، بل كجزء من استراتيجية بقاء تعتمد على الردع الدموي في مواجهة تهديد داخلي متصاعد.
سياق الإعدامات: منطق الردع في مواجهة التآكل الداخلي
تشير المعطيات إلى أن تنفيذ إعدام أربعة سجناء سياسيين خلال يومي 30 و31 مارس، مع وجود ما لا يقل عن 15 سجيناً آخرين مهددين بالإعدام الوشيك، يعكس انتقال النظام إلى مرحلة التصعيد الوقائي. فبدلاً من احتواء المعارضة، يلجأ النظام إلى تكثيف أدوات القمع بهدف إرسال رسالة ردع مزدوجة: إلى الداخل لمنع توسع الاحتجاجات ، وإلى الخارج لإظهار تماسك ظاهري . غير أن هذا السلوك يكشف في جوهره عن قلق عميق داخل بنية السلطة.
الإعدامات والحرب: توظيف الأزمة الخارجية لتصفية الداخل
في ظل أجواء التوتر الإقليمي، يوظف النظام الإيراني حالة الانشغال الدولي لتسريع وتيرة القمع الداخلي. هذا النمط ليس جديداً، لكنه في السياق الحالي يعكس محاولة استباقية لمنع تلاقي الضغوط الخارجية مع الحراك الداخلي. وبحسب ما طُرح في الإحاطة التي قدّمها محمد محدثين، فإن النظام يسعى إلى تحييد أي تهديد داخلي محتمل عبر تصفية العناصر الأكثر تنظيماً وتأثيراً داخل السجون.
البعد السياسي: استهداف ممنهج للمعارضة المنظمة
لا تقتصر هذه الإعدامات على كونها إجراءات عقابية، بل تمثل استهدافاً سياسياً ممنهجاً لفصيل محدد يتمتع بقدرة تنظيمية داخل البلاد. إن تركيز النظام على عناصر مرتبطة بمجاهدي خلق يعكس إدراكه لخطورة البنية الشبكية التي تمتلكها هذه المنظمة. فالقمع هنا لا يهدف فقط إلى إنهاء حياة أفراد، بل إلى تفكيك بنية معارضة يرى فيها النظام تهديداً استراتيجياً مباشراً.
قراءة في السلوك الأمني: من السيطرة إلى الذعر
يكشف تسارع وتيرة الإعدامات عن تحول في سلوك النظام من إدارة القمع إلى ردود فعل ذات طابع ارتجالي. فالنظم المستقرة نسبياً تميل إلى استخدام القمع بشكل انتقائي، بينما يشير الإفراط فيه إلى فقدان الثقة في أدوات السيطرة التقليدية. بهذا المعنى، يمكن اعتبار هذه الموجة دليلاً على أن النظام لم يعد يثق بقدرته على احتواء التحديات عبر الوسائل السياسية أو الأمنية التقليدية.
دلالات التوقيت: محاولة كسر الزخم قبل تشكّله
يأتي هذا التصعيد في لحظة تتزايد فيها المؤشرات على إعادة تشكل الحراك الداخلي، سواء من خلال الاحتجاجات المتقطعة أو الأنشطة المنظمة. وبناءً عليه، يمكن تفسير الإعدامات كخطوة استباقية تهدف إلى كسر الزخم قبل تحوله إلى موجة احتجاجية واسعة. إلا أن التجارب السابقة تشير إلى أن هذا النوع من القمع قد يؤدي إلى نتائج عكسية، عبر تعزيز مشاعر الغضب وتوسيع قاعدة المعارضة.
المجتمع الدولي: اختبار الإرادة السياسية
تضع هذه التطورات المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي. فالاكتفاء بالإدانة اللفظية لم يعد كافياً في ظل تصاعد الانتهاكات الممنهجة. إن غياب إجراءات عملية - مثل تفعيل آليات المساءلة أو فرض عقوبات موجهة - قد يُفسَّر من قبل النظام على أنه ضوء أخضر ضمني للاستمرار في سياساته. وبالتالي، فإن أي تقاعس دولي يسهم بشكل غير مباشر في إدامة دورة القمع.
الخاتمة: القمع كعرض لأزمة بنيوية
في المحصلة، لا تعكس موجة الإعدامات الأخيرة قوة النظام بقدر ما تكشف عن هشاشته البنيوية. فاعتماد السلطة على أدوات القمع القصوى يشير إلى تآكل شرعيتها وفشلها في إنتاج بدائل سياسية قادرة على امتصاص الأزمات. ومع استمرار هذا النهج، يصبح من المرجح أن تتحول الإعدامات من وسيلة للردع إلى عامل محفّز للتصعيد، ما يضع إيران أمام مرحلة أكثر اضطراباً، يكون فيها الصراع الداخلي العامل الحاسم في تحديد مآلات النظام.

إرسال تعليق