مشاهدات
محمود الجاف
في العتمة التي لا تُرى، لا تتحرك الخيوط وحدها، بل تُساق معها القلوب وتُعاد صياغة القناعات دون أن نشعر. كنا نظن أننا نختار الطريق، لكننا كنا نسير فيه منذ زمنٍ لم نكن نعرفه، طريقٍ مُعبد بعناية، ومزيّن بأحلامٍ ليست لنا.
كبرنا .. واتسعت أعيننا، لكننا لم نرَ الحقيقة كاملة، بل رأينا صداها فقط. صدى صوتٍ أعلى، خافتٍ لكنه نافذ، لا يُرى . لكنه يقود. نُدفع بحماسة، ونُقاتل بصدق، ونُضحي بقلوبٍ نظيفة . لكن، كم هو موجع أن يكون السؤال:
لمن؟
لأفكارٍ زُرعت فينا قبل أن نعرف كيف نشك، ولمصالح لا تشبه وجوهنا ولا أحلامنا. هناك من لا يحتاج أن يُقيّد الأجساد، يكفيه أن يُقنع العقول . فإذا اقتنعت، مشت الأقدام مطمئنة نحو تعبها، وحملت الأكتاف أوزارًا ليست لها، ودافعت الأرواح عن سجونها . وكأنها تدافع عن أوطانها. وفي الأعلى، حيث الصمت المصنوع بعناية، تُبنى الأبراج لا من حجارة، بل من أعمارٍ صامتة .. من عرق البسطاء الذين لم يسألوا:
لماذا؟
ومن دموع الذين صدقوا أن الألم نصيبٌ لا يُراجَع، وأن التعب قدرٌ لا يُناقش.
المأساة ليست في الفقر وحده، بل في أن يعتاد الفقير وجعه حتى يحبه، أن يحرس الوهم بيديه، وأن يُصبح الدفاع عن القيود شرفًا. وما أشد قسوة اللحظة . حين يبدأ الإنسان بالشك. ليس لأنه ضل الطريق ، بل لأنه أدرك، متأخرًا، أنه لم يكن يسير فيه من البداية ،بل ربما .. بدأ يراه لأول مرة.

إرسال تعليق