صباح الزهيري
في فلسفة السخرية , لطالما كان الأدب الساخر مرآةً تعكس انكسارات الشعوب حين تضيق بها سبل التغيير الجاد , فتستعيض عن النواح بالضحك المر , وفي هذه المقامة الدليفريّة , لا يهدف الكاتب إلى النيل من قدر البلاد , بل يسعى لتسليط الضوء على الفجوة الهائلة بين خطاب العنتريات الم المقامة الدليفريّة في قصف الديار الرافدينيّة .
في فلسفة السخرية , لطالما كان الأدب الساخر مرآةً تعكس انكسارات الشعوب حين تضيق بها سبل التغيير الجاد , فتستعيض عن النواح بالضحك المر , وفي هذه المقامة الدليفريّة , لا يهدف الكاتب إلى النيل من قدر البلاد , بل يسعى لتسليط الضوء على الفجوة الهائلة بين خطاب العنتريات المزعوم , وبين الواقع المتردي الذي آلت إليه المؤسسات والبنى التحتية , مصوراً حالاً من العجز الذي جعل أقصى طموحات المقاومة تنحصر في المائدة , وأكبر التهديدات تستهدف المطاعم , في إشارة رمزية لغياب مراكز القوة الحقيقية .
حدّثنا الحارث بن همّام قال :
لما حميَ الوطيس , واشتدّت بالروم والفرنجة الهواجس , قرّر التحالفُ العتيد , ذو البأس الشديد , أن يصبّوا جام غضبهم على بلادِ الرافدين , لقطع دابرِ المتمرّدين , فجمعَ القائدُ الأعلى كبارَ عساكرِه , وأربابَ مخابره ,
وقال : أبيدوا مَنصات الصواريخ , واجعلوا راداراتهم هباءً في الريح ,
فانحنى القادةُ وقالوا : يا مولانا , القومُ عُزّلٌ من الحديد , ولا يملكون من الدفاعِ إلا الوعيد ,
تعجّب القائدُ وقال : فكيف يردّون إذا مرّت طائراتنا فوق السحاب ؟
قالوا : ليس لهم إلا اللسان , يُشرعون في - الفشار- والسبّ ليلَ نهار , وهذا كلّ ما لديهم من جُمان .
استشاط القائد غضباً وقال : إذن دكّوا قواعدَ طيرانهم , واهدموا أجنحةَ غُرابهم ,
قالوا : يا سيّدي , طيرُهم في الأقفاص , وليس لديهم جَناحٌ يُقصّ أو يُقاص ,
قال : فأين معاملُ التصنيع , ومراكزُ البحوثِ والترصيع ؟,
قالوا : تبخّرَ العلمُ والعمل , ولم يبقَ إلا التوكّلُ والأمل , حكّ القائدُ رأسه وقال : اقصفوا إذن مبنى الإذاعة , لنقطعَ عنهم الخبرَ والساعة ,
ضحك القادةُ وقالوا : يا سيّدي , تلك شاشاتٌ هجرها الرّعاع , والكلّ منكبٌّ على - الشرقية - و- إم بي سي - بلا انقطاع .
صاح القائدُ بيأس : فدمّروا المصانع , واقطعوا عنهم المنافع ,
قالوا : ليس في الديارِ إلا معملُ - جبس الباز- يملأ البطونَ بالهواءِ والغاز ,
قال : فالطاقة والكهرباء , اقطعوا عنهم الضياء)) , قالوا : كهرباؤهم تأتيهم من الجوار, فإن قصفتهم أظلمت ديارُ الجيرانِ وصارَ ما صار ,
قال : إذن فالبرلمان , مجمعُ الساسةِ والأعيان ,
قالوا : يا سيّدي , القومُ في سفرٍ وترحال , والقلّةُ الباقيةُ تنتظرُ خطبةَ الرئيس لتصدحَ بالصلاةِ والابتهال .
هنا سكت القائدُ طويلاً , ثم قال :
ويحكم , بماذا يشتهرُ هؤلاءِ القوم؟ أين نضربهم لنذيقهم النوم ؟
فأجابَ كبيرُ العساكرِ وهو يمسحُ لعابه :
يا سيّدي , القومُ غارقون في - المرقِ والدجاج - وعشقُهم للمطاعمِ فاقَ كلَّ احتجاج , لذا أقترحُ أن نبدأ بمطعم - بيستون صمد - في الجادرية , فإنه قلبُ المقاومةِ الغذائية ,
واختتم القائدُ بالقول : إنْ لم يذعنوا للمفاوضات , ويأتونا صاغرين للطلبات , فصبّوا صواريخكم على مطعم حجي حسين , لنجعلهم يبكون بدموعِ الندمِ والحنين .
ختاماً , الهدف التوعوي ورسالة النص , إن ضرب الأمثلة بمطاعم - بيستون صمد - و- حجي حسين - كأهداف عسكرية , ليس إلا صرخة تنبيه توعوية مغلفة بالفكاهة , فالنص يضعنا أمام تساؤل مصيري : ما الذي أعددناه لمواجهة التحديات سوى الاستهلاك ؟ إنها دعوة لاستنهاض الهمم , وإعادة بناء ما دمره الفساد والإهمال , فالدول لا تُحمى بالشاشات المهاجرة ولا بالبطون المملوءة , بل بالصناعة والعلم والمؤسسات الرصينة , السخرية هنا ليست غاية في حد ذاتها , بل هي مبضع جراح يحاول استئصال الوهم وزرع بذور الوعي بضرورة الإصلاح الشامل .
مشاهدات

إرسال تعليق