د. هاني الحديثي
ظلت العلاقات الدولية تتغير بتغير مفهوم القوة والمصلحة في العلاقات الدولية والتي بدورها اعتمدت مفهوم الدولة الوطنية كوحدة سياسية وتفاعلها في مجمل العلاقات الدولية لتشكل الاساس الذي ارتكز عليه القانون الدولي في تنظيم العلاقات الدولية ، وعلى اساسها تم تنظيم العلاقات الدولية على اساس الأهمية للموقع الجيوبولتيكي وفاعلية الدول في الاقليم ذو الطبيعة الحيوية جيوبولتيكيا . من الطبيعي ان نميز الفواعل في العلاقات الدولية بين قوى فاعلة عالمية وقوى فاعلة اقليميا او قوى عادية تتضمن دولا هشة ،وعلى اساس ذلك تم تصنيف الدول بين دول عظمى وكبرى واقليمية ودول اخرى على هامش التفاعلات حيث تبدو التبعية وفقا لحجم القوة والمصلحة ضمن الدائرة الاقليمية . إن التغيير في نمط التفاعلات المذكورة لاي سبب من الاسباب ينعكس سلبا او ايجابا على مجمل التفاعلات في منهج القوة والمصلحة ليترك تأثيراته على مدى احترام او الالتزام بقواعد التوازن او القانون الدولي في العلاقات الدولية . المهم الإشارة له هنا ان المتغيرات الدولية في العالم الحالي يشهد حركتين متميزتين :
الاولى :
تقدم وتطور مفهوم الجيوبولتك والجيواستراتيج ثم الجيو اقتصادي في رسم العلاقات بين الدول ، وذلك بسبب بروز حروب الطاقة التي زادت أهميتها في العقود الأخيرة حتى بلغت الان الذروة .
الثانية :
تراجع مفهوم الدولة القومية تحت نطاق العولمة واحداث العالم المتسارعة حيث تشابك المصالح بقوة واستخدام القوة بشكل اكبر مما سبق الامر الذي أدى إلى ظاهرة الدول الهشة والمترهلة التي غالبا ماتسودها قوى موازية للدولة تؤثر سلبا على فاعلية الدولة القومية.
إن الاحداث العالمية المتسارعة ، وزيادة فاعلية التنافس والصراع على اعادة صياغة النظام الدولي فترة مابعد الحرب الباردة ،وتوازي ذلك مع اتساع نطاق الدول القومية الهشة في مناطق بالغة الحيوية جبوبولتيكيا و جيواقتصاديا لاعتبارات الامن والطاقة الاقليمية والعالمية ،ترك فرصا اوسع للتغلغل فيها اقليميا وعالميا مستثمرين وموظفين فواعل داخلية موازية للدولة ذات مناهج وعقائد مختلفة عن الدولة القومية، مما دفع بالقوى الاقليمية والدولية إلى تفعيل او توظيف او التخادم مع هذه الفواعل الجديدة (فصائل او منظمات او ملشيات ) تبعا لغايات ومصالح قوى كبرى وان اختلفت بالعناوين المرفوعة لملىء الفراغ السياسي او تقاسم مناطق النفوذ بين القوى المتنافسة ،الأمر الذي أدى إلى تكريس تهميش الدولة الوطنية و(او)القومية الامر الذي دفع نحو الأمام توصيفات الارهاب لهذه الفواعل الجديدة تبعا لتلك المصالح حيث نجد الافتراق الكامل في التوصيفات بين قوى أرهابية او قوى المقاومة المشروعة .
نستطيع بيسر ان نميز بعض هذه البلدان في العالم العربي كما هو الحال في العراق وسوريا واليمن ولبنان في منطقة المشرق العربي ،وليبيا وتونس في منطقة المغرب العربي بينما يبرز السودان كحالة متميزة في الصراعات الداخلية الدموية وانقسامها الى كانتونات بشكل واضح فضلا عن الصومال و ارتريا ذات الموقع الجغرافي الحيوي على بوابة البحر الأحمر . بعبارة اخرى فان العالم العربي بموقعه الجغرافي سياسيا و استراتيجيا يحتوي أو يشرف على ثلاثة من اهم المضائق والممرات الملاحية الدولية ، فهو يقع في قلب الملاحة والممرات الدولية بين مضيق ملقا الذي يربط بحر الصين الجنوبي والمحيط الهادي وتمر منه 25-30 % من التجارة العالمية ،ومضيق بنما الذي تمر فيه 05-06 % من التجارة الدولية من بينها 40% حاويات أمريكية . قناة السويس التي ترتبط بمضيق باب المندب عنق البحر الأحمر تمر فيها 15-20 % من حركة النقل العالمية ، ومضيق جبل طارق تمر فيه 30% من التجارة العالمية بين البحر المتوسط الى الأطلسي ، ومضيق هرمز (مضيق العرب) في الخليج العربي يحتوي على 20 % من تجارة الطاقة العالمية بمعنى ان 70% من سلاسل التوريد بين اسيا وإفريقيا وأوروبا والعالم تمر في الأقاليم العربية من خلالها او بالأشراف عليها لتتوزع النسب الاخرى شمال المحيط الأطلسي وعبر المحيط الهادي . لذلك فان اي أزمة اقليمية في العالم العربي ستترك تداعياتها سلبا على سلاسل التوريد التجارية والطاقوبة العالمية وتنتج خرائط مرور وملاحة موازية ومنافسة .
ماتقدم يبين بوضوح أهمية الموقع الجيوبولتيكي للعالم العربي على مجمل مشاريع طرق الملاحة لبلدان العالم ومن بينهم مشروع الحزام والطريق الصيني الذي يمر من خلال ميناء جوادر الباكستاني نحو موانىء ايران والخليج العربي صعودا برا الى تركيا نحو العالم في حزام منه يتكامل مع حزام البحر عبر باب المندب نحو أفريقيا وشمالها نحو أوروبا والعالم .
ماتقدم يساعدنا في قراءة طبيعة التنافس الأمريكي -الصيني وهي القطب الصاعد المنافس للولايات المتحدة على طرق الملاحة وسلاسل التوريد في العالم العربي خاصة إذا ربطنا ذلك بمساعي الولايات المتحدة لإيجاد موطىء قدم استراتيجي في بحر القوقاز ووسط آسيا من خلال مشروع ترامب في طريق زانجور شمال ايران والرابط بين أذربيجان وأرمينيا لنقل الطاقة والتجارة بين وسط و جنوب غرب آسيا عبر تركيا نحو العالم ليكون قاطعا لطريق الحرير البري الصيني او موازيا له على الأقل ، إلى جانب مشروع الممرات الخضراء الذي تم التوقيع عليه في مؤتمر مجموعة العشرين المنعقد في نيودلهي 2023 والذي يوفر سلسلة توريد بديلة للحزام الصيني البحري يربط الهند بميناء حيفا لدى الكيان الاسرائيلي نحو العالم من خلال ممرات بحرية وسكك برية تكمل الطريق البحري عبر البر في دولة الإمارات والمملكة السعودية والأردن ليشكل حزاما ينافس و يضيق على مشروع الحزام والطريق الصيني وربما بقصد تعطيله . ماتقدم يفسر لنا طبيعة التفاعلات بين الفواعل الدولية عالميا واقليميا ،ودوافع الحروب والصدام في هذا الموقع او ذاك ومن بينها الحرب مع ايران . في ضوئه نستطيع القول ان تغييرات جيواستراتيجية وجيو أقتصادية مهمة تصيب النظام الدولي وترسم مستقبل آخر مختلف في العلاقات الدولية بعد ان ارتفع رصيد الطاقة والممرات الملاحية العابرة للحدود القومية والثقافية لتشكل منظومات او أحلاف او تكتلات اقتصادية متعددة الهويات اساسها المصالح والامن وتقنيات المعلومات والذكاء الصناعي العابر للحدود الحضارية ، لتعيد تشكيل العلاقات بين القوى الدولية والمنظومات الناشئة كمنظمة بريكس وغيرها من المنظومات المعنية في سوق المال وأسعار العملات في التبادل التجاري ، وهو الذي يفسر لنا السعي الأمريكي منذ ادارة جو بايدن ليتصاعد في عهد ترامب لتغيير قواعد اللعبة في العلاقات الدولية عبر اعادة التمركز في منطقة الشرق الأوسط مع ممارسة أقصى الضغط على ايران بعد ان تمركزت قبل ذلك في تعزيز القوس البحري الجنوبي من خلال منظومة (أوكوس ) AUKUS (الولايات المتحدة ومعها بريطانيا وأستراليا و نيوزيلاند لتتوسع لاحقا فتشمل الهند واليابان تحت إطار منظومة (كواد )خلال الفترة 2007-2025 م . قد يسأل سائل عن مدى استمرار فاعلية تلك المنظومات في ظل الخلاف البائن بين الولايات المتحدة من جهة وحلفاؤها في الناتو من جهة اخرى اتجاه الحرب مع ايران ؟؟؟
الجواب عندي انه خلاف لايمس الجسور الاستراتيجية الراسخة بينهم ولاعتبارات كثيرة لايمكن التفصيل فيها هنا لمحدودية المقال والمقام ، ولكنه إعلان عن استعداد أوروبي لتشكيل شخصية اكثر استقلالية في القرارات اتجاه أزمات الشرق الأوسط ، وهو برأيي متغير إيجابي يمكن للعرب البناء عليه وتوظيفه لصالح التعددية في مصادر القوة والمصالح في العلاقات الدولية ، بيد ان ذلك يتطلب منهم اولا النأي عن توظيف العلاقات الثنائية بين الدول العربية وبلدان اوروبا للتأثير سلبا على أشقائهم في الأزمات القائمة دون حل عربي -عربي معقول .
ماتقدم خلق منظومة جيوبولتيكية مهمة في البعد الأمني ذات المضمون الاقتصادي تفاعلت مع ماتم الاتفاق عليه في اجتماع الدول العشرين 2025 م في نيودلهي عبر الطريق الملاحي الموازي لمشروع الحزام والطريق الصيني وهو طريق الهند بحرا وبرا إلى حيفا نحو العالم من خلال الربط السككي برا بدءا من دولة الإمارات مرورا بالسعودية والأردن . يتفاعل ذلك بشكل واضح في خريطة العمل الأمريكية اتجاه بلدان أمريكا اللاتينية من خلال قناة بنما ، ومجمل تلك المشاريع تفضي الى بناء منظومات جيواستراتيجية وجيو اقتصادية خارج نطاق الدولة القومية ، وتعبرها نحو التكوينات الجيو أقتصادية التي تشكل ملامح النظام الدولي الجديد بأقطاب رئيسية و اقليمية فرعية . تاسيسا على ماتقدم يصبح العالم العربي محاطا بمشاريع عالمية واقليمية فاعلة تتطلب منه ان يميز ويحدد مساراته ليكون فاعلا فيها وليس مفعولا به وحسب كما هو الحال عليه وبما يحقق مصالح عربية واقليمية ضمن سلاسل التوريد في حركة الاقتصاد والتجارة العالمية ليكون له دوره في رسم مسارات العرب المستقبلية بصيغ تبعده عن التابعية للمشاريع الخارجية .
السؤال الذي يطرح نفسه هنا :
من هي الاطراف وكيف ؟
الجواب عندي ينطلق من الآتي :
اولا : ان الاقليم العربي يشهد تنافسا حادا بين مشروعين إقليميين أساسيين هما المشروع الاسرائيلي والمشروع الإيراني وكل منهما له اذرعه وخريطته الجيواقتصادية على حساب جغرافية العالم العربي وخاصة منطقة المشرق العربي .
ثانيا : ان المشروعين المتقابلين والمهددين بدرجات مختلفة للخريطة السياسية والجغرافية العربية يستندان على دعم خارجي من قوى عالمية يمكن تركيزها في الولايات المتحدة من جهة ومعها حلفاؤها ، والصين وروسيا في الجانب الاخر (حرب ايران الأخيرة أفرزت هذا النموذج بشكل واضح ).
ثالثا : ان تكتل منظومة التعاون الخليجي هو الأفضل حتى الان ولكنه يعاني من ثغرتين جوهريتين :
3-1 الخلافات الداخلية بين بلدان المنظومة الخليجية والتي انعكست على المواقف من أزمات ساخنة كما هو الحال اتجاه السودان واليمن .
3-2 ان هذه المنظومة لن تكون فاعلة ومقتدرة دون انظمام اهم بلدين مشرقيين لهما وهما العراق وسوريا فضلا عن الأردن واليمن ، دون إغفال لدور مصر الرابط الاستراتيجي بين المشرق العربي والمغرب العربي .
3-3 المحيط الاقليمي لدول الجوار وما بعد الجوار لهذا العالم يتمركز عند تركيا والباكستان وكليهما ترتبطان ببعضهما ومع بلدان رئيسية كالسعودية بروابط واتفاقيات ومعاهدات استراتيجية يمكنها ان تعزز تكتلا بشريا واقتصاديا جيواستراتيجيا مدعوما لطبيعة العلاقات الوثيقة خارجيا مع كل من الغرب والشرق (الولايات المتحدة من جهة والصين وروسيا من جهة اخرى ).
على هذا الاساس فان شبكة من الاتصالات والمواصلات وسلاسل التوريد بين هذه الدول يمكن ان تحقق مصالح عليا متكاملة اقتصاديا وتجاريا وأمنيا دون الحاجة لصدام مع القوى المهيمنة على النظام الدولي . اعتقد ان مؤتمر أنطاليا الذي عقد مؤخرا في تركيا قد انتج محورا اقليميا تقوده الدول الرئيسية في الاقليم المشرقي الذي يضم إلى جانب تركيا كل من باكستان والسعودية ومصر ليضع خارطة جيو أقتصادية متشابكة العلاقات مع بلدان المنطقة العربية والإسلامية اساسها تبادل المعرفة وإنشاء شبكة من الاعتماد الاقتصادي المتبادل في رقعة جيوسياسية حيوية تستطيع مستقبلا ان تنتج مشروعا متكاملا يواجه الأزمات والتهديدات الاقليمية الأمنية والملاحية والسياسية ضمن دائرة تشمل الخليج العربي والبحر الأحمر و بلدان القوقاز مع عدم إغفال واقع التحديات التي تشكلها مشاريع اقليمية اخرى .
الاستنتاجات: تتغير معالم العلاقات الدولية من أهمية الموقع الجيوبولتيكي الى جادة الموقع الجيو اقتصادي ويتم مغادرة مفهوم الدولة القومية ذات السيادة التقليدية كوحدة اساسية في التعامل في العلاقات الدولية لتصبح الممرات وسلاسل التوريد للتجارة ونقل الطاقة ضمن منظومات جيوأقتصادية عابرة للحدود القومية والثقافية العمود الأبرز في طبيعة العلاقات الدولية ، الأمر الذي يجعل بلدان العالم العربي بسبب موقعها الجغرافي ومواردها الطاقوية واشرافها على اهم ممرات الملاحة البرية والبحرية التقليدية والمخطط لها تتاثر بشدة في متغير القوة في العلاقات الدولية ،وهو الأمر الذي يوجب فرضا على بلدان العالم العربي الناهضة ان تأخذ زمام المبادرة لتشكيل قوة جيو اقتصادية مهمة وتحديدا بلدان المشرق العربي لاهميتها الحيوية جغرافيا واقتصاديا واستراتيجيا ،ولمواجهتها المباشرة لأخطر مشروعين إقليميين يهددان وجودها في مواجهة المشاريع المحيطة بها ، قبل ان تتحول إلى مجرد مناطق نفوذ للآخرين تسعى لتفتيتها عرقيا وطائفيا ، الأمر الذي يوجب عليها الانضواء في منظومة اقليمية عربية تكاملية عابرة للحدود القطرية لتتفاعل قدرات دولها وتشكل قدرة عربية خلاقة تستطيع التجاوب وتحقيق التفاعل من موقع الفاعل الدولي في المتغيرات التي تشهدها العلاقات الدولية ولن يتحقق ذلك دون العمل على احتواء اهم قدرتين مشرقيتين حضاريا وثقافيا وجغرافيا واقتصاديا وبشريا هما العراق وسوريا .
مشاهدات

إرسال تعليق