أ.د . عبدالرزاق محمد الدليمي
اغلب ما اكتبه في الحقيقة هو اجابة عن استفسارات او اسئلة تردني باستمرار ومنها هذا الموضوع ؟!
منذ احتلاله نسان 2003 يزداد الحديث عن مستقبل العراق لاسيما في ظل المعطيات الراهنة (الحرب بين حلفاء الامس وخصوم اليوم) الأمر الذي يفتح الباب أمام سيناريوهات معقدة وما يطرحه البعض من احتمالية تكرار نموذج الحوثي (بنسخته الايرانية) أو الانقلاب العسكري ليس بعيداً عن النقاشات السياسية والاستراتيجية لكن الواقع العراقي له خصوصية تجعل الخطر يأخذ شكلاً مختلفاً ربما اخطر عما حدث في اليمن. من وجهة نظري يمكن تحليل الظروف الحالية واحتمالات تدهور الأوضاع في العراق وفقا للاتجاهات التالية :-
اولا: الانقلاب الناعم والاستيلاء من الداخل لا الانقلاب العسكري ففي اليمن مثلا اقتحم الحوثيون العاصمة صنعاء لإسقاط سلطة كانت ترفضهم . في العراق الوضع مختلف تماما فالميليشيات والجماعات المسلحة والقوى المحسوبة على ملالي طهران (الإطار التنسيقي وفصائل الحشد) تسيطر بالفعل على مفاصل الدولة كالحكومة والبرلمان والقضاء وهذا كله بعلم وبموافقة أمريكا وبريطانيا ؟! لذلك فالوضع في العراق لا يحتاج إلى انقلاب عسكري بالمعنى التقليدي لأن هذه القوى هي التي تسيطر على السلطة وتمارس ما يمكن تسميته بالدولة العميقة ... فهي تدير الدولة بواجهة مدنية شكلية رسمية بينما القرار الحقيقي بيد الفصائل.
ثانيا: خطر تطبيق النموذج الحوثي في العراق والمخاوف من تحول العراق إلى نموذج حوثي تكمن حاليا في :
1- تغيب او عدم وجود الجيش الوطني: فمنذ نيسان 2003 والحكومات المتعاقبه (ويبدو ان لديهم فتوى او تعليمات غير معلنة من مراجعهم ) تستمر بمحاولات إضعاف الجيش العراقي وجهاز مكافحة الإرهاب مقابل تقوية الفصائل المسلحة مالياً وتسليحياً.
2- عزل العراق دولياً : منذ هيمنة جماعات ملالي ايران على الحكومات المتعاقبة في العراق المحتل هناك سعي لكثير من الأطراف لجر العراق إلى صراعات إقليمية (على غرار جبهة لبنان وغزة) رغماً عن إرادة الدولة الضعيفة أصلا مما قد يؤدي لفرض عقوبات دولية تجعل العراق شبيهاً بوضع اليمن أو إيران.
3- السيطرة العقائدية الطائفية حيث شهدنا ولازلنا نشهد استمرار المحاولات لتغيير هوية مؤسسات الدولة التعليمية والثقافية وتوجهاتها لتنسجم مع رؤية نظام ولاية الفقيه سيئ السمعة ؟!
ثالثا: الصراع بالمصالح الشيعي - الشيعي وهو الفتيل القابل للاشتعال الأكبر لتهديد الامن المغيب في العراق حالياً وللعلم فهو ليس انقلاباً تقوده جهة ضد الدولة الضعيفة المغلوب على امرها ووجودها بل هو الصدام بين القوى المسلحة المتنافسة على مصالحها الذاتية نفسها.
رابعا: دور التيار الصدري: معروف ان مقتدى الصدر يراقب المشهد وربما هذا دوره الان وفي أي لحظة يشعر فيها أن خصومه (الإطار التنسيقي) تمادوا في السيطرة قد يحرك ماتبقى من الشارع الذي كان يسيطر عليه؟!
خامسا: الفصائل والمليشيات الولائية المسلحة: وهي كما اصبح واضحا ليست كتلة واحدة بل هناك بينها ما صنع الحداد من صراعات داخلية على المغانم والمناصب وأي خلاف كبير قد يحول بغداد ومدن الجنوب إلى ساحات حرب شوارع.
سادسا: الوضع الاقتصادي وهو بمثابة القنبلة الموقوتة العراق كما هو متوقع وحذرنا منه مقبل على أوضاع سيئة اقتصادياً لعدة أسباب:
1- استمرار الاعتماد الكلي على النفط فأي انخفاض في الأسعار او توقف التصدير كما يحدث الان يعني عجز الدولة الفاشلة عن دفع الرواتب وتيسير أمور الحياة بأبسط عناوينها ؟! وهو ما سيؤدي لثورة جياع تفوق ثورة تشرين؟؟!!
2- القيود الأمريكية على الدولار: تستمر واشنطن بإستخدام ورقة الدولار للضغط على الحكومة العراقية المسلوبة الارادة لمنع تهريب العملة إلى إيران وهذا يسبب تضخماً وغلاءً يطحن المواطن.
سابعا : هل هناك احتمال لانقلاب عسكري وطني؟
معلوم للجميع ان الجيش العراقي حالياً رغم كفاءة بعض وحداته إلا أن قياداته العليا تخضع للمحاصصة السياسية الطائفية لذلك فالقيام بانقلاب عسكري وطني يطيح بالطبقة السياسية والميليشيات أمر بالغ الصعوبة او يكاد يكون مستحيل بسبب :
1- تغلغل العناصر الحزبية الطائفية داخل المؤسسة العسكرية. الأسوأ هو تحول العراق إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية لاسيما بعد ان قررت إسرائيل أو أمريكا ضرب الفصائل داخل العراق فقد ترد هذه الفصائل بإنهاء ما تبقى من ملامح الدولة لانها النقطة الأضعف في النظام العراقي المتهرئ؟!
2- الفشل الهيكلي : أن تصبح الحكومة مجرد صراف آلي يوزع الرواتب بينما السلطة الفعلية في الشارع للمليشيات الولائية وهو ما سيؤدي في النهاية إلى انهيار الخدمات تماماً واندلاع فوضى مجتمعية.
في مقالاتي السابقة اشرت بوضوح إلى أن من ساعد في تدمير العراق عام 2003 (الملالي وذيولهم) لن يترددوا في تحويله إلى ضيعة أو ساحة حرب لخدمة أجندات الملالي وغيرهم ! والوضع القادم يعتمد على مدى وعي الشعب العراقي ؟! وقدرة القوى الوطنية على استعادة سيادة الدولة قبل فوات الأوان والا فان القادم اكثر قتامة وسوادا وعتمة من 23 عاما التي مضت ؟!

إرسال تعليق