الحرب على إيران: تفكيك منظومة القوة أم إعادة إنتاجها

مشاهدات


الفريق الركن صباح نوري العجيلي


المقدمة :

مع دخول الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران مرحلة وقف إطلاق النار المؤقت، لم يعد المشهد مجرد صراع عسكري تقليدي قائم على تبادل الضربات، بل أخذ يتكشف كعملية استراتيجية مركبة تستهدف البنية العميقة للدولة الإيرانية، فحجم الدمار واتساع نطاق الأهداف يشيران إلى تحول نوعي في طبيعة الحرب، من إضعاف القدرات إلى محاولة تفكيك منظومة القوة الشاملة، عبر استهداف متزامن لمراكز القرار والبنية العسكرية والقاعدة الاقتصادية وشبكات البنية التحتية. بهذا المعنى، لا يمكن قراءة ما جرى بوصفه حملة عسكرية عابرة، بل كجزء من مقاربة تهدف إلى إعادة تشكيل توازن القوة في الإقليم، من خلال الضغط على إيران في عمقها الاستراتيجي، ودفعها إما إلى الانكفاء أو إلى إعادة تعريف أدواتها وأساليبها في الصراع.


الضربات الجوية واتساع بنك الأهداف؛

منذ اللحظات الأولى للحرب، اعتمدت الولايات المتحدة وإسرائيل على تفوقهما الجوي لتنفيذ ضربات دقيقة وعميقة داخل الأراضي الإيرانية، مستهدفة طيفاً واسعاً من الأهداف الحيوية. وقد شملت هذه الغارات الجوية التي بلغت أكثر من 13 ألف غارة،  مراكز القيادة والسيطرة، ومنظومات الدفاع الجوي، والقواعد الجوية والبحرية، إضافة إلى مواقع انتشار الحرس الثوري، ومصانع وقواعد الصواريخ والمسّيرات. هذه الضربات لم تكن عشوائية، بل جاءت ضمن بنك أهداف مدروس، هدفه الأساسي شل القدرة على إدارة العمليات العسكرية، وإرباك منظومة القيادة والتحكم، بما يحد من قدرة إيران على التنسيق الفعال في ساحة المعركة.


استهداف القيادة ومحاولة إحداث فراغ استراتيجي: 

اتخذت العمليات بعداً أكثر حساسية مع تركيزها على دوائر القيادة العليا، حيث جرى استهداف شخصيات محورية في منظومة القرار السياسي والعسكري، بما في ذلك محيط المرشد علي خامنئي وكبار قادة الحرس الثوري والجيش والبحرية والبسيج والمؤسسات الأمنية . هذا النمط من الاستهداف يعكس انتقالاً واضحاً من ضرب القدرات إلى استهداف مراكز القرار، في محاولة لإحداث شلل في منظومة القيادة، وخلق حالة من الارتباك في اتخاذ القرار، وربما فتح المجال أمام تصدعات داخلية على مستوى النخبة الحاكمة.


استهداف القاعدة الصناعية والعسكرية :

لم تقتصر الحملة على الأهداف العسكرية المباشرة، بل امتدت لتشمل القاعدة الصناعية التي تشكل العمود الفقري للمجهود الحربي. فقد طالت الضربات منشآت التصنيع العسكري، ومصانع المعادن الثقيلة، إضافة إلى مجمعات البتروكيميائيات ومنشئات الصناعة المزدوجة. ويعكس هذا التوسع فهماً متقدماً لطبيعة الحروب الحديثة، حيث لا يُحسم الصراع فقط في ميدان القتال، بل بقدرة الدولة على الاستمرار في الإنتاج وإعادة تزويد قواتها بالموارد.


استهداف البنية التحتية وشل الاقتصاد ؛

في موازاة ذلك، استهدفت الضربات شبكات النقل الحيوية والجسور، مع تصاعد التهديدات بتوسيع نطاق العمليات لتشمل منشآت الطاقة والمياه. ويشير هذا المسار إلى انزلاق تدريجي نحو نمط من الحرب الشاملة التي تستهدف الاقتصاد الوطني وحركة الإمداد والاستقرار الداخلي . هذا النوع من الضغط لا يهدف فقط إلى إضعاف القدرات العسكرية، بل إلى نقل كلفة الحرب إلى الداخل، بما يضاعف التحديات أمام صانع القرار الإيراني.


تحييد القوة البحرية الإيرانية :

في البعد البحري، تشير التقديرات إلى تعرض جزء مهم من القدرات البحرية الإيرانية للتدمير أو الإعطاب، وهو ما يمثل ضربة مؤثرة في بيئة الخليج العربي. وتكمن أهمية ذلك في تقليص قدرة إيران على تهديد الملاحة الدولية والحد من فعاليتها في استخدام تكتيكات الحرب غير المتكافئة في الممرات الحيوية، خصوصاً في مضيق هرمز.


لماذا لم تنهار إيران رغم حجم الدمار الواسع :

رغم كثافة الضربات واتساع نطاقها، لم تصل إيران إلى مرحلة الانهيار، وهو ما يعكس طبيعة الاستراتيجية التي اعتمدتها على مدى عقود. فقد عملت طهران على توزيع منشآتها العسكرية على نطاق جغرافي واسع، وبناء شبكة معقدة من المواقع المحصنة تحت الأرض، إلى جانب اعتماد بنية لامركزية في القيادة والسيطرة . هذا النموذج يقترب من مفهوم "الدولة المرنة"، القادرة على امتصاص الصدمات وإعادة توزيع وظائفها الحيوية، مع تبني نهج الاستنزاف كبديل عن المواجهة المباشرة. 


القوة الإيرانية بين التفكيك وإعادة الانتاج :

ما تشهده إيران اليوم لا يمكن اختزاله في إطار التدمير فقط، بل يمثل لحظة مفصلية قد تقود إلى أحد مسارين رئيسيين:


• التفكك التدريجي:

استمرار الضغط العسكري والاقتصادي قد يؤدي إلى تآكل تدريجي في بنية القوة الايرانية، دون انهيار كامل، مع تراجع القدرة على التأثير الإقليمي.


• إعادة التشكيل:

في المقابل، قد تدفع الحرب إيران إلى إعادة بناء قدراتها على أسس مختلفة، تقوم على مزيد من اللامركزية وتسريع برامجها العسكرية وإعادة هيكلة قيادتها بشكل أكثر مرونة وتكثيف الاعتماد على الأدوات غير التقليدية، بما في ذلك الحروب غير المتكافئة وشبكة الوكلاء الاقليميين.


 الخاتمة :

الدمار الذي لحق بإيران لا يعكس بالضرورة نهاية قوتها، بقدر ما يمثل اختباراً حقيقياً لمرونتها الاستراتيجية. فالحروب الكبرى لا تُحسم عسكريا بقدر ما تحسم سياسيا عبر إعادة رسم موازين القوى في الإقليم وقدرة الدول على التكيف وإعادة إنتاج أدواتها . وفي ظل سعي واشنطن وتل أبيب إلى تفكيك هذه المنظومة من جذورها، تبدو طهران وكأنها تراهن على عامل الزمن وإدارة الاستنزاف في معركة مفتوحة قد لا تُحسم عسكرياً بقدر ما تُحسم سياسياً في نهاية المطاف .

تعليقات

أحدث أقدم