مشاهدات
صباح الزهيري
كثيرا ماترددت في مجالسنا الأدبية عبارة لو تعلمت الحساب لكشف لي الحجاب المنسوبة للأمام فخر الدين الرازي , التي قد تشير إلى دلالات روحية أو أدبية , حيث يربط البعض بين صفاء الذهن وكشف الحجاب - رؤية الحقائق - وتعلم الحساب الذي ينظم الفكر , إلا أن المقصود الشائع بكشف الحجاب في السياق الديني هو ستر الله للخلق , ومع ذلك , هناك مؤلفات مثل كتاب كشف الحجاب في علم الحساب , وعن كشف حجاب الستر, يرى كثيرون أن الله لو كشف عن الإنسان حجاب ستره , لرأى حقائق عثراته وزلاته التي أخفيت عنه , وكشف حجاب الحس في السياق الصوفي , يُفسر بأنه إزالة حجاب الحس عن نور الله , الا انه يشدد علماء مثل خالد الجندي على أن مقولة مكشوف عنه الحجاب بخصوص معرفة الغيب هي ادعاءات لا تصح . تُعد هذه المقولة المنسوبة للإمام فخر الدين الرازي صاحب التفسير الكبير مفاتيح الغيب من الجمل اللطيفة التي تجمع بين تواضع العلماء وعمق النظرة الفلسفية للكون , فعلى صعيد السياق المعرفي - الرياضيات كلغة للكون - يرى الإمام الرازي هنا أن الحساب - الرياضيات - ليس مجرد أرقام للجمع والطرح , بل هو علم المنطق الكمي , وكشف الحجاب , يقصد به الوصول إلى الحقائق اليقينية التي لا تقبل الشك , ففي الفلسفة القديمة والحديثة , تُعتبر الرياضيات هي اللغة الوحيدة التي تتصف بالدقة المطلقة , فبينما قد تضطرب الآراء في الفلسفة أو الكلام , يظل 1+1= 2 حقيقة كونية ثابتة , وعلى صعيد البُعد الروحاني والفلسفي فأن الرازي كان متكلماً وفيلسوفاً غاص في بحور العقليات , ومع ذلك يقول لو تعلمت الحساب , وهذا يشير إلى الترابط بين العلوم , و الربط بين العلوم العقلية المحضة والكشوفات الروحية , وكأن الوصول إلى أسرار الخلق يحتاج إلى أدوات قياس دقيقة , كما ان العبارة تشير الى نظامية الوجود عندما توحي بأن الكون مبني على هندسة دقيقة وحسابات محكمة , وأن من يمتلك مفتاح هذا الحساب , يمتلك مفتاح فهم القوانين التي وضعها الخالق في هذا الوجود. أن يقول إمام بحجم الرازي لو تعلمت - بصيغة التمني أو التقصير - هو قمة التواضع , فهو يقرّ بأن المعرفة بحر واسع , وأن ما فاته من علم الحساب كان يمكن أن يختصر عليه طرقاً طويلة من التأمل الفلسفي والمنطقي , وتنم هذه العبارة عن رؤية ثاقبة سبقت عصرها , فنحن اليوم في عصر البيانات والخوارزميات حيث أصبح الحساب والبرمجة هما اللذان يكشفان لنا حجب الفضاء , والطب , والذرة , فهل يكشف الحساب الحجاب فعلاً ؟
من وجهة نظر منطقية , نعم , فالحساب يزيل الضبابية , عندما تتحول الأفكار إلى أرقام ونسب , تختفي العاطفة والتحيز , ويظهر الجوهر العاري للحقيقة , وقد يرى البعض أن كشف الحجاب مصطلح صوفي يشير إلى المعرفة اللدنية , وربطها بالحساب - العلم المادي - هو محاولة لجسدنة الروحانيات , لكن عند الرازي , العقل هو الطريق الأول للإيمان , والحساب هو قمة كمال العقل . كان الرازي يرى أن الرياضيات - وخاصة الهندسة والحساب - هي النموذج الأسمى للبرهان , في كتبه الكلامية , كان يسعى لنقل الدقة الرياضية إلى القضايا الإلهية , وكان يعتقد أن العقل الذي يتدرب على حل المسائل الحسابية المعقدة يصبح أكثر قدرة على ترتيب المقدمات والنتائج في الفلسفة , فالرياضيات عنده هي العلم الذي لا يختلف فيه اثنان , لذا اتخذها معياراً لمحاربة السفسطة والشك , وقد خاض الرازي نقاشات معمقة حول مفهوم اللانهاية بين الرياضيات والكلام مفهوم الجوهر الفرد - الذرة - وقابلية المادة للانقسام , واستخدم الحجج الهندسية لإثبات أو نفي بعض القضايا الفيزيائية , وفي نقاشه حول الخلاء واللانهاية , كان يستحضر التصورات الرياضية ليحدد ما إذا كان العالم متناهياً أم لا , وهي من أعقد المسائل التي ربط فيها بين الحساب وعلم العقيدة . في تفسيره الشهير بخصوص الرياضيات والحكمة الإلهية - الكون الموزون - يربط الرازي كثيراً بين الأرقام وبين إتقان الصنع الإلهي , ويرى أن الأعداد في القرآن والنسب في الطبيعة ليست عشوائية , بل هي حساب موزون , والتعليق المنسوب إليه لو تعلمت الحساب لكشف لي الحجاب , يشير إلى إدراكه أن القوانين الرياضية هي القوانين الخفية التي تُسير المادة , وأن الجهل بها هو حجاب يحجب الإنسان عن فهم هندسة الخلق , ورغم براعة الرازي في المنطق , إلا أنه كان يشعر بغصة أو فجوة معرفية لعدم تفرغه الكامل لعلوم الحساب المتقدمة في عصره - مثل الجبر والمقابلة - لذا , نجد في نبرته نوعاً من الاعتراف المعرفي بأن الفلسفة وحدها - بدون لغة الأرقام - قد تظل غارقة في التجريد , بينما الرياضيات تمنح الفكرة جسداً ملموساً ويقيناً لا يتطرق إليه الشك , أن اليقين الرياضي كان هو المهرب للرازي من حيرة المتكلمين التي اشتكى منها في أواخر عمره , مما يعزز فكرة بحثه عن كشف الحجاب عبر الأرقام .
خلاصة القول , لقد عُرف الإمام فخر الدين الرازي بكونه موسوعي المشرب , ولم يكن اهتمامه بالرياضيات مجرد ترف فكري , بل كان يراها ركيزة أساسية لبناء اليقين المنطقي , والعبارة تعكس إيمان العلماء المسلمين الأوائل بأن العلم لا يتجزأ , وأن القوانين الرياضية هي تجليات للحكمة الإلهية في الكون , وأن من أتقن لغة الأرقام , فُتحت له أبواب الفهم التي قد تظل مغلقة أمام التأمل النظري المجرد .

إرسال تعليق