مقامة النهر الخالد : ملحمة الوجدان وعمارة الألحان .

مشاهدات


صباح الزهيري


ذكريات الشباب دائماً ما تحمل نكهة خاصة , وخاصة عندما ترتبط بأيقونات فنية مثل موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب , النهر الخالد ليست مجرد أغنية , بل هي ملحمة موسيقية توثق قدسية النيل في الوجدان المصري , النهر الخالد جمعت بين عبقرية اللحن وشاعرية النيل , وتُعد القصيدة علامة فارقة في تاريخ الموسيقى العربية , حيث اجتمع فيها مثلث الإبداع الكلمة , اللحن , والأداء لتقديم لوحة فنية مبهرة عن شريان الحياة في مصر.

مسافرٌ زادهُ الخيالُ..
والسحرُ والعطرُ والظلالُ ,

من أجمل ماكتب في وصف رحلة النيل الأبدية , ولو تبحرنا في مضمون الأغنية ورسالتها , لوجدنا القصيدة التي كتبها الشاعر محمود حسن اسماعيل ولحنها وأداها محمد عبد الوهاب عام 1954م , تتغنى بعتاقة نهر النيل وعمق ارتباط الإنسان المصري به عبر العصور , فهي لا تصف مجرد مجرى مائي , بل تسرد أسرار الحضارة والحكايات الممتدة من عهد قدماء المصريين , ثم تنقلنا للموروث الشعبي والعادات والتقاليد التي نبتت على ضفافه , والقدسية التاريخية وكيف ظل النيل شاهداً على عظمة الأجيال المتلاحقة , وتُعد أيقونة وطنية وفنية خلدت نهر النيل , ووُصفت بأنها مناجاة عاطفية راقية تمزج سحر الطبيعة بعراقة التاريخ المصري , وتميزت بلحنها الإبداعي الذي صاغه عبد الوهاب من مقام الكورد.

أبرز ما قيل عن الأغنية انها تصوير للنيل والشجن , وأنها سردية تتواصل مع عظمة النيل , حيث يصف الشاعر النيل بأنه يسقي الحب والأغاني , ويناجيه كشخص , وهو ما أظهر براعة في التشبيهات والصور البلاغية , وقد أشاد النقاد بإحساس عبد الوهاب العالي الراقي والمتمكن في غناء وتلحين هذه القصيدة , مما جعلها تجربة استماع ممتعة ومستمرة , وانها تعكس ارتباط الشاعر ابن الصعيد بالطبيعة وولعه بالنيل , حيث رسم بكلماته جمال الحياة على ضفتي النهر والنخيل , واصفاً إياه ب يا واهب الخلد للزمان , وقد أثيرت نقاشات حول اقتباس بعض جمل اللحن من افتتاحيات الموسيقار العالمي تشايكو - فسكي , لكن المايسترو سليم سحاب رد بأن ما فعله عبد الوهاب هو إبداع وبناء على جملة موسيقية وليس سرقة مؤكداً أنها إضافة تُحسب له , وعدها أيقونة وطنية , تُعتبر بلسماً وطهراً لمياه النيل , ومثالاً على غناء المصريين للنيل كرمز للحضارة. رغم مرور عقود على انتاج هذه الأغنية منذ الخمسينيات , ظلت تعتبر واحدة من كلاسيكيات الموسيقى العربية التي توثق عشق المصريين لنهرهم , ولما سألوا المؤلف لماذا جعل إسم الاغنية النهر الخالد؟ قال :

لأن النيل طوله 6650 كيلو مترا ويبلغ عرضه حوالي ثلاثة كيلومترات في بعض المناطق , وكان الفراعنة يعتبرون ان منبعه السماء لأنهم لم يروا مصدره , هكذا ورث المصريون محبة وتقديس النيل حتى بعد معرفة منبعه , حيث تحكي الأغنية عن عتاقة نهر النيل وارتباط المواطن المصري به على مرّ العصور, وما ينطوي عليه من أسرار وحكايات ارتبطت بتقاليد وعادات عند قدماء المصريين.

تتميز القصيدة بكثرة التشبيهات والصور البلاغية , ويتجلى ذلك في تشبيه نهر النيل بشخص يناجيه محمود حسن إسماعيل ويتكلم معه ,
مُسافرٌ زاده الخيالُ
والسحر والعطر والظلالُ
ظمآن والكأس في يديه
والحب والفن والجمالُ
شابت على أرضه الليالي
وضيعت عمرها الجبالُ
ولم يزل ينشدُ الديارَا
ويسأل الليل والنهارَا
والناس في حبه سكارى
هاموا على شطه الرحيبِ
آهٍ على سرك الرهيبِ
وموجك التائه الغريبِ
يانيل يا ساحر الغيوب
يا واهب الخلدِ للزمانِ
يا ساقي الحبِ والأغاني
هات اسقني واسقني
ودعني أهيـم كالطير في الجنانِ
يا ليتني موجة فأحكي إلى لياليكَ ما شجاني
وأغتدي للرياحِ جارا وأسكب النور للحيارى
فإن كواني الهوى وطارَا
كانت رياح الدجى طبيبِي
آهٍ على سرك الرهيبِ وموجك التائه الغريبِ
يانيل يا ساحر الغيوب
سمعت في شطك الجميلِ
ما قالت الريحُ للنخيلِ
يسبح الطيرُ أم يغني
ويشرح الحبَ للخميلِ؟
وأغصنٌ تلك أم صبايا شربن من خمرة الأصيلِ؟
وزورقٌ بالحنين سارَا أم هذه فرحة العذارى؟
تجري وتُجري هــواك نارَا
حملتُ من سِحرُها نصيبِي
آهٍ على سرك الرهيبِ
وموجك التائه الغريبِ
يانيل يا ساحر الغيوبِ .

يرى متخصصون أن مسافر زاده الخيال أو النهر الخالد من أروع الأغنيات الوصفية التي قدمها عبدالوهاب كلاماً ولحناً وأداءً يتخطى حدود الجمال والإعجاز بكثير, وأنها بعد تقديمها صارت معلماً مرتبطاً بكل عشاق نهر النيل , وأنه رغم غناء عبد الوهاب لها من مقام الكرد , فإن عبقريته جعلته يتنقل بين الكرد والحجاز والشورى والسوزناك والراست , كما نوّع في الإيقاعات , فاستخدم الرومبا والوحدة السائرة والتقسيمة.

تعليقات

أحدث أقدم