الثرثرة… حين يفقد الكلام قيمته

مشاهدات




كفاح محمود كريم 



من الظواهر السلبية التي تُسقط هيبة الإنسان وتُضعف أثره، آفةُ الثرثرة؛ فليس كل كثيرِ الكلام صاحبَ معرفة، ولا كل إسهابٍ دليلَ عمق. كثيرًا ما يقود الاسترسال المنفلت إلى مطبّات معروفة: مبالغةٌ تبتعد عن الحقيقة، أو كذبٌ يتسلل بين العبارات، أو نميمةٌ تتخفّى بثوب الحديث العابر، أو مجاملاتٌ فارغة لا قيمة لها إلا إضاعة الوقت وإفساد المعنى.


وتبدو هذه الظاهرة أوضح ما تكون في بعض الأوساط الاجتماعية، وعند بعض السياسيين، وفي عدد من البرامج الحوارية، حين يتحول الضيف أو المحاور إلى مستعرضٍ لعضلاته المعلوماتية أو الثقافية أمام الجمهور، حتى يخيَّل للمشاهد أنه لا يتابع حوارًا، بل يشهد حلبةً لصراع الديكة. يرتفع الصوت، وتتزاحم الكلمات، وتتورم الجمل، لكن الحقيقة تضيع، والفكرة تتبدد، والهدف يختنق تحت ركام الكلام . لهذا لم تأتِ الحكمة القديمة عبثًا حين قالت: ما قلّ ودلّ. 


فهذه العبارة ليست مجرد نصيحة لغوية، بل تربيةٌ في العقل والذوق والانضباط، فالكلام كلما صفا من الحشو، اقترب من الحقيقة، وكلما تكدّس بالاستعراض، اقترب من الثرثرة.


إن الإسهاب غير المنضبط لا يدل دائمًا على الامتلاء، بل قد يكون في أحيان كثيرة ستارًا للفراغ ، أو تعويضًا عن ضعف الفكرة، أو رغبةً في لفت الأنظار على حساب المعنى. ومن يعرف قيمة الكلمة، يعرف أيضًا متى يتكلم، وكيف يوجز، وأين يتوقف. فالبلاغة ليست في كثرة القول، بل في إصابة المعنى بأقل الكلمات. أما الثرثرة، فهي حين يضيع الكلامُ من فم صاحبه كما يضيع الماء في الرمل: كثيرٌ في ظاهره، قليلُ النفع في أثره. إن احترام العقول يبدأ من احترام الوقت، واحترام الوقت يبدأ من احترام الكلمة . وما أكثر من يتكلمون… وما أقل من يقولون شيئًا يستحق أن يُسمع.

تعليقات

أحدث أقدم