دييغو غارسيا / Diego Garcia

مشاهدات



د. ضرغام الدباغ


الولايات المتحدة الأمريكية، دولة ليست كباقي الدول ، بل هي من الدول النادرة التي لم يكن لها كيان سابقاً ، وليست هناك أمة، ولها ظروف تكون وتشكل غريبة، لا تماثل تقريبا أي كيان آخر سوى : إسرائيل وإيران ..! وليس من غرائب القدر أن يجمع هذه الدول (الكيانات ) الثلاث تحالف سري، ولكنه متين، له خصائص لا تشبه التحالف بين الدول ولا بين التحالفات السياسية والعسكرية. الولايات المتحدة من أولى خصائصه، أنتشار القواعد العسكرية في أرجاء مختلفة في العالم، والمتأمل سيستغرب وجود هذه القواعد، وليست هناك دولة تمتلك مثل هذه القواعد عدا بريطانيا، التي تحتفظ بقواعد لها منتشرة في أماكن استراتيجية : ألمانيا الاتحادية، جبل طارق، فوكلاند، قبرص، دييغوغارسيا (معارة للولايات المتحدة ).

والاحتفاظ بقواعد عسكرية، وفق نظام استئجار بعيد المدى، أو امتلاك، أو اتفاقيات سياسية، مسألة لها كلفتها الاقتصادية، والسياسية العالية، ودون ريب التي تمتلك قواعد خارج أراضيها ، لا تفعل ذلك دون جدوى يفوق تكاليف تشغيلها، إلى المزايا الاستراتيجية المحيطية التي تحسب حسابها، فحين يكون لبريطانيا قاعدة جوية وبحرية على مقربة من القطب الجنوبي في جزر فوكلاند/ جورجيا، فإن للأمر مغزاه بتواجد عسكري في أقصى الكرة الأرضية، على أرض الجزر التابعة أصلاً للأرجنتين، واستدعت تدخلاً عسكرياً للحفاظ على سيادتها على الجزر (حرب فوكلاند/ المالوين عام 1982) بتكاليفه الاقتصادية والبشرية. وكذلك الحفاظ على قاعدة اكرتيري / قبرص، وإن كانت موجودة منذ العهد الاستعماري، إلا أن بقاءها على أرض الجزيرة مكلف ماليا وسياسياً، وكذلك قاعدتها في جبل طارق/ أسبانيا.

الولايات المتحدة الأمريكية تعاملت مع القواعد العسكرية بطريقة تختلف عن بريطانيا، بسبب :
• سعة الخطط الاستراتيجية الأمريكية في التدخل وضرورة القواعد في هذا السياق.
• القدرة على التكاليف المالية.
• والسبب الرئيسي الذي أدى إلى تحديث سياسة القواعد ونقاط الارتكاز هو الاتجاهات الحديثة في الاستراتيجية الامريكية، فقد تخلت الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة عن 200 قاعدة عسكرية، أو كان ينبغي التخلي عنها لصعوبات سياسية أو اقتصادية، ولكنها أقامت الجديد منها على سبيل المثال قاعدة دييغو غارسيا (Diego Garcia) في المحيط الهندي. والبواعث الامريكية في سياسة القواعد كانت:

• الاحتفاظ بالقواعد الحالية وتطويرها من أجل تأمين النفوذ الامريكي.
• العمل على تطوير وتجديد القواعد المتوفرة حالياً وتحديد قيمتها من خلال الاسلحة المتواجدة فيها، واحتمالات الموقف الجيوبولتيكي، وذلك بسبب تطور تكنولوجيا السلاح الذي أدخل مفاهيم جديدة إلى استراتيجية استخدام القواعد وأهميتها ومدى فاعليتها.

• وفي دراسة سرية لحلف الناتو، فإن البحر الأبيض المتوسط يعتبر مسرح عمليات حربية رقم (1) لذلك فإن الولايات المتحدة بذلت مجهودات عديدة لحماية نفوذها وبنفس الوقت جنوب حلف الناتو. وتهدف الفعاليات الامريكية إلى:

• حماية وتأمين البلدان الصديقة للولايات المتحدة.
• حماية المصالح الأمريكية في المنطقة العربية وفي الشرق الأوسط بصفة عامة.

دييغو غارسيا/ ا Diego Garcia
هي جزيرة مرجانية في وسط المحيط الهندي على بعد نحو 1600 كم (1000 ميل) إلى الجنوب من الساحل الجنوب للهند وسريلانكا. وهي جزء مما يعرف بمنطقة المحيط الهندي البريطانية (BIOT). يبلغ طول الجزيرة 60 كم وهي تطوق بحيرة ضحلة طولها 19 كم وعرضها 8 كم . منذ تم تفريغها من سكانها بالقوة خلال سنوات ستينات وسبعينات القرن العشرين تم تحويلها إلى قاعدة عسكرية لبريطانيا والولايات المتحدة . قاعدة عسكرية إستراتيجية أمريكية-بريطانية تقع في جزيرة دييغو غارسيا، وهي أكبر جزر أرخبيل شاغوس في وسط المحيط الهندي . وتقع في منتصف المسافة بين ساحل الهند وجزيرة موريشيوس ، عند تقاطع خط الطول 72.25 شرق مع خط العرض 7.2 جنوب.

جغرافيا الجزيرة
وتتميز الجزيرة بموقع استراتيجي ممتاز، إذ تبعد مسافة 600 ميل عن مركز الاتصالات البريطاني في جزيرة غان شمالا، في حين تبعد حوالي 1000 ميل إلى الشرق من جزيرة سيشيل، حيث توجد القاعدة الأمريكية لتتبع الأقمار الصناعية. وعلى بعد 1250 ميلا منها إلى الجنوب الغربي تقع قاعدة فاكواس البريطانية في موريشيوس. كما أنها تبعد مسافة 67 ميلا إلى الجنوب الشرقي من جزر "ايغمونت". كذلك تقع جزيرة دييغو غارسيا في منتصف المسافة بين مركز الاتصالات الأمريكي في طنورث-ويست كيب" في أستراليا، وأريتريا حيث كانت توجد قاعدة اتصالات أمريكية كبيرة. وتبلغ مساحتها 28 كيلومترا مربعا، ولا يتجاوز عدد سكانها 500 نسمة، في حين يبلغ إجمالي سكان أرخبيل شاغوس حوالي 1000 نسمة، معظمهم من صيادي الأسماك. ولا ترتفع الجزيرة في تضاريسها عن 6 أقدام عن مستوى سطح البحر. وتتمتع بحوض ملاحي جيد يبلغ عمقه 140 قدم، وهو ما يكفي لإدخال أسطول من 50 إلى 60 قطعة بحرية.

إنشاء قاعدة دييغو غارسيا
[ومن العام 1965، أصبحت الجزيرة نقطة حساسة في الاستراتيجية الدولية، اتفقت بريطانيا والولايات المتحدة في ذلك العام على إنشاء قاعدة مشتركة فيها. وفي ديسمبر 1970، أعلنت لندن أن البدء بإنشاء القاعدة سيباشر في العام 1971، واعتبر ذلك القرار بمثابة رد على القنبلة النووية الصينية (1965) وتنامي الوجود السوفييتي في المحيط الهندي، الذي تصاعد بشكل خاص بعد الحرب العربية -الإسرائيلية الثالثة (1967).

وتستخدم الولايات المتحدة مركز اتصالاتها في القاعدة لرصد حركة الأسطول السوفييتي في منطقة المحيط الهندي، بعد أن أصبح ذلك الأسطول الأكبر من حيث الكم في تلك المنطقة في العام 1975، وقادرا على الإفادة من التسهيلات البحرية في عدن، و"فيز أخا باتنام" (في الهند) وسقطرة (عند مدخل البحر الأحمر)، والصومال. كما أنها تستخدم القاعدة لرصد تجارب الصواريخ التي تقوم بها الصين الشعبية في المحيط الهندي. وفي الوقت نفسه، فإن المحيط الهندي يعد من المناطق التي يمكن منها للصواريخ التي تطلق من الغواصات أن تضرب أهدافا صناعية في قلب الاتحاد السوفييتي أو الصين الشعبية، الأمر الذي يعطي قاعدة دييغو غارسيا أهمية إستراتيجية كبيرة للولايات المتحدة. ويعتبر الأمريكيون والبريطانيون أن دييغو غارسيا تسد فراغا في نظام اتصالات البلدين في منطقة المحيط الهندي. ولقد سمحت القاعدة للأمريكيين بالتخلي عن قاعدتهم الكبيرة في أريتريا (كانيوستيشن). ولقد زادت أهمية القاعدة بالنسبة إلى الولايات المتحدة-و الغرب عموما - بعد إعادة فتح قناة السويس للملاحة في العام 1975، نظرا لأن فتح القناة جعل من السهل على الأسطول السوفييتي الانتقال بسرعة كبيرة من البحرين الأسود والأبيض المتوسط إلى المحيط الهندي. وزاد من أهمية القاعدة كذلك تنامي أهمية الخليج العربي كمصدر حيوي للطاقة، وضرورة مراقبة منابع النفط وطرق إيصاله إلى الغرب.

ردود فعل سياسية دولية على إقامة القاعدة
ولقد أثارت إقامة القاعدة في دييغو غارسيا اعتراضات حادة من جانب الهند. فمن العام 1965، لم تتوقف الهند عن إبداء اعتراضها ضد إقامة القاعدة. وفي يناير 1974، نددت أنديرا غاندي -رئيسة وزراء الهند في ذلك الحين- بنية بعض الدول على إقامة قاعدة نووية في المحيط الهندي. وتركز الاعتراض الهندي خاصة على وجود الغواصات النووية الأمريكية في المحيط الهندي، الأمر الذي يعرقل المشروع الهندي الرامي إلى جعل هذا المحيط منطقة خالية من الأسلحة الذرية، وتحييده وإبعاده عن صراعات القوى الكبرى. وأبدى السوفييت كذلك احتجاجهم على المشروع الذي " لا يحمل طبيعة دفاعية ". كما أبدت كل من الصين وسيلان وفيتنام الشمالية وأستراليا عدم ارتياحها لهذا المشروع . وفي مارس 1974، قررت الحكومة العمالية البريطانية إعادة النظر في الاتفاق. ومع ذلك استمر العمل على إنشاء القاعدة. وفي 1977، طلبت الولايات المتحدة من الاتحاد السوفييتي الموافقة على تثبيت النشاط البحري في المحيط الهندي في مستواه القائم آنذاك ، بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي كارتر موافقته على تحييد ذلك المحيط، وذلك في إطار السياسة الخارجية الأمريكية التي تبناها الرئيس جيمي كارتر منذ توليه منصب الرئاسة الأمريكية. وتضم الجزيرة أحد خمسة هوائيات أرضية تساعد في تشغيل نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) في حين توجد الهوائيات الأربعة الأخرى في بقاع أخرى من العالم . لعبت القاعدة العسكرية على الجزيرة دوراً في الحرب الباردة وفي غزو أفغانستان عام 2001 وحرب الخليج الثانية وغزو العراق عام 2003. وما تزال القاعدة العسكرية في الجزيرة تلعب دوراً مهماً في العمليات العسكرية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط رغم الأهمية الكبيرة لقاعدة العديد الجوية في قطر.

تعليقات

أحدث أقدم