مقامة الكرامة : فخّ الروبيات الخمسين , كيف يُقتل الثائر في داخلنا

مشاهدات


صباح الزهيري


يغرقنا هذا الشيخ الثمانيني بنشرياته التي تحمل أبعاداً نفسية واجتماعية عميقة, وهو اليوم يبعث بنوع من القصص الرمزية التي تُستخدم عادةً لإيصال رسائل أخلاقية أو سياسية , فتحت عنوانه المعهود محطة استراحة , كتب : الخطوة الأولى في طريق السقوط - يحكى أن ضابطا انكليزيا زمن احتلال الهند قد صفع أحد الهنود صفعة قوية امام الناس لسبب تافه فما كان من الهندي إلا أن يرد الصفعة بأقوى منها فانهار الضابط وجن جنونه وحاول أن يقتل الهندي وصادف ان مر القائد الانكليزي وأمر الضابط التزام الصمت وأخذه إلى مقر القيادة وقال للضابط افتح هذه القاصة وخذ منها خمسين الف روبية واذهب إلى الرجل الذي صفعته واعتذر منه أمام الناس واعطيه المبلغ تعويضا عن صفعته , ثار الضابط وقال كيف تقبل بهذا؟

انه هندي ضرب من يمثل الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس؟

قال هذا أمر عسكري يجب تنفيذه وقام الضابط به المبلغ كان كبيرا بدأ يعمل الهندي وصار تاجرا كبيرا له حرس ولمع اسمه في الحياة العامة حتى صار يشار إليه , طلب القائد من الضابط ان يذهب إلى التاجر وأمره أن يصفعه أمام الناس كذلك فعل الضابط لكنه اندهش فالتاجر لم يرد عليه الصفعة وجاء الضابط إلى قائده مندهشا من سكوت التاجر , قال القائد حين رد عليك كانت عنده كرامة ولكن حين قبل المبلغ باع كرامته فصار يخاف على ماله لا على كرامته , والعاقل يفهم , تلك هي العلاقة الأزلية بين الكرامة والمال , وتشريح سيكولوجي وسياسي عميق لمفهوم العبودية المختارة بتحويل حكاية بسيطة إلى دراسة حول كيفية تدجين الشعوب والنخب.

ذلك هو السقوط الناعم , السقوط هنا ليس الفقر أو الفشل المالي , بل هو سقوط القيمة , فالخسارة الحقيقية لم تكن صفعة الضابط , بل كانت اللحظة التي فتح فيها الهندي يده ليأخذ الـ 50 ألف روبية , تلك اللحظة كانت التوقيع على صك العبودية الطوعية , وتلك جدلية الكرامة مقابل المادة , وفكرة أن الاستغناء يعزز الشجاعة , بينما الامتلاك - خاصة إذا كان ثمنه التنازل - يخلق الخوف من الفقد , فأن بطل القصة لم يتغير جسدياً , بل تغيرت أولوياته , في المرة الأولى كان يملك كرامته فقط فكان نداً , وفي المرة الثانية ملك المال فصار عبداً لما يملك الفقر كان درعه , والغنى صار قيده , ويظهر ذكاء المستعمر في ترويض الشعوب , من خلال خبث القوة - القائد الإنجليزي - وليس بالرصاص دائماً , بل بتحويل الثوار إلى تجار , وبتحويل القضايا الكبرى إلى مصالح ضيقة , والسقوط لا يبدأ دائماً بالهزيمة , بل قد يبدأ بالتعويض الذي يملأ الجيب ويفرغ الروح .

لنناقش فلسفة التعويض كأداة للتدجين , القائد الإنجليزي لم يعتذر حباً في العدل , بل استخدم المال السياسي أو الرشوة الاجتماعية , ففي المرة الأولى كان الهندي يمتلك رأسمالاً معنوياً - الكرامة - وهو رأس مال لا يمكن السيطرة عليه بالقوة لأن صاحبه مستعد للموت من أجله , وبعد قبض الثمن , تحول رأسماله من معنوي إلى مادي , والميزة في المادة أنها ملموسة , وبالتالي يمكن تهديد صاحبها بها , والقائد الإنجليزي اشترى حق الرد المستقبلي لدى الهندي , الذي الذي سكت في المرة الثانية , وتلك سيكولوجية الخوف من الفقد , لأن الفقير الذي لا يملك شيئاً هو أخطر عدو للنظم المستبدة بحكم أنه ليس لديه ما يخسره , لكن بمجرد أن أصبح تاجراً وله حراس ومصالح , أصبح لديه إرث يخشى عليه , والقاعدة النفسية هنا, كلما زادت ممتلكات الإنسان التي حصل عليها مقابل تنازل زاد معها استعداده للخوف والذل للحفاظ عليها , لقد أصبح الهندي هنا حارساً لمصالح الإنجليزي دون أن يشعر , لأن استقرار تجارته مرتبط ببقائه تحت مظلتهم .

اما اذا انتبهنا الى رمزية الصفعة , وتكرارها , فالصفعة الأولى, كانت صراعاً بين ندّين إنسان ضد إنسان , أما الصفعة الثانية, فقد كانت إهانة من سيد لتابع , والسكوت في المرة الثانية لم يكن حكمة أو ترفعاً , بل كان حسابات ربح وخسارة , لقد أدرك التاجر أن رد الصفعة يعني خسارة الثروة , المكانة , وربما الحياة التي أدمن ترفها , وهذا يوصلنا الى البعد السياسي لسياسة الاستعمار التي تتبنى خلق النخب الموالية , فالمستعمر - أو صاحب السلطة - يعلم أن القمع المفرط يولد انفجاراً , لذا يلجأ لخلق طبقة من المستفيدين , هؤلاء المستفيدون يدافعون عن المستعمر بشراسة أكثر من جنود المستعمر أنفسهم , لأن وجودهم مرتبط بوجوده.

كان عمنا شكسبير قد قال :
تغافل عن كل شيء , إلا كرامتك لا تقبل بتهميشها ,
وأضاف أحمد شوقي :
نعم أشتاق لكن وضعت كرامتي فوق اشتياقي , إن ما نشره المندلاوي الجميل ليس مجرد حكاية من التأريخ , بل هو مسبار غار في أعماق النفس البشرية , ليوضح أن أخطر أنواع الاحتلال ليس ما يغتصب الأرض , بل ما يستوطن النفوس بالمنافع , فيجعل الإنسان يصنع قيده بيده خوفاً على مكتسباته ,وهو تحليل مذهل لآلية الاستعباد الطوعي , ويتجاوز كونه مجرد قصة تاريخية ليصبح تشريحاً سيكولوجياً لكيفية ترويض النفوس وكسر إرادة الشعوب أو الأفراد , فالقصة توضح كيف يتحول الإنسان من ثائر يدافع عن كرامته إلى حارس يدافع عن مصالحه , وأن أخطر أنواع الاحتلال ليس احتلال الأرض بالجنود , بل احتلال النفوس بالمال والمنافع , فحينها يضع الإنسان القيود في يده بنفسه خوفاً من ضياع مكتسباته , وأن السقوط يبدأ من الداخل أولاً , و القوة ليست في ما نملك , بل في ما نحن مستعدون للاستغناء عنه في سبيل كرامتنا , وهو ما يلمس واقع الكثير من التحولات في النفوس والشعوب .

تعليقات

أحدث أقدم