مقامة الوصية : حين تصبح الورقة وطناً بديلاً

مشاهدات




صباح الزهيري



يقول صاحبنا : ان اروع وصية قرأتها , هو ماكتبه الكاتب الالماني توماس مان - في زمن النازية - الى صديقه الكاتب المسرحي برتولت بريشت :

وصيتي الشخصية في غاية البساطة , ارجوك أن تحافظ على كل ورقة تكتبها , انها ملك لمن سيأتون من بعدنا ,

وانا اثني على القول لأن هذه المقولة تحمل أبعاداً فلسفية وتاريخية عميقة , ففي زمن النازية لم تكن الكتابة مجرد ترف فكري , بل كانت خيانة عظمى في نظر النظام , وأمانة وجودية في نظر المثقفين , وكلاهما - مان وبريشت - كان يمثل العقل الألماني المطرود والمنفي , ولما كانت النازية تحرق الكتب التي لا تتماشى مع أيديولوجيتها , لذا فإن الحفاظ على كل ورقة هو رد فعل مباشر على محاولات المحو الثقافي , وهذه التدوينة تذكرنا بأن التوثيق هو العدو الأول للطغيان , فالأنظمة الشمولية تراهن على نسيان الناس , والكتّاب يراهنون على تذكيرهم , وتخليد الكلمة وصونها كأمانة للأجيال .

إن وصية توماس مان لبريشت لم تكن مجرد نصيحة بين أديبين , بل كانت بيان استرداد لملكية التأريخ, فحين تشتعل النيران في الساحات لحرق الكتب , تصبح كل ورقة يخبئها الكاتب في جيبه هي الوطن البديل , إنها دعوة لكي لا يذهب الحبر سدى , فما نكتبه اليوم بمرارة , سيقرأه الأحفاد غداً كدليل براءة للذاكرة الإنسانية من تهمة الصمت , وفي التحليل الفلسفي للورقة كإرث , يصف مان وصيته بأنها في غاية البساطة لكنها في الحقيقة وصية ثقيلة جداً , هي تحويل الفكر الشخصي إلى ملك عام للمستقبل , والمسؤولية تجاه القادمين, إذ ان عبارة إنها ملك لمن سيأتون من بعدنا تلغي النزعة الفردية للكاتب , وهو هنا ليس صاحب النص , بل هو حارس عليه حتى يصل إلى أصحابه الحقيقيين الأجيال القادمة , وذلك هو الخلود من خلال النص الذي هو الشيء الوحيد الذي يمكنه عبور الحدود والنجاة من الأنظمة القمعية ليحكي الحقيقة لاحقاً.

من الناحية العاطفية والأدبية , هي وصية ملهمة جداً لأنها تقدس الكلمة, ومع ذلك , هناك ملاحظة تأريخية وفنية , حول العلاقة بين الرجلين- مان وبريشت - اللذان لهما توجهات فكرية ومشارب أدبية مختلفة تماماً , فأن مان يميل للكلاسيكية والبرجوازية المثقفة , في حين ان بريشت ماركسي ثوري, لكن ما جمعهما هو الخطر المشترك , والتأكيد على قيمة الأرشيف, فهذه الوصية هي صرخة ضد العدمية , ودعوة لعدم الاستهانة بأي خاطرة أو مسودة , فما نراه اليوم عادياً , قد يراه التأريخ غداً وثيقة صمود .

ألبير كامو من الكتاب الذين آمنوا أيضاً بأن الكلمة هي الحصن الأخير, حين قال :
تمثل الكتابة , في نظري الطريقة الوحيدة لعدم الاستسلام للعدم ,
وكذلك محمود درويش في قوله :
هزمتُكِ يا موتُ الفنونُ جميعُها , هزمتُكِ يا موتُ الكتابةُ في معابدِ نينوى ,
وستيفان زفايج صديق توماس مان في المنفى : الأفكار لا يمكن حجزها في زنزانة , والكلمات الصادقة تجد دائماً طريقاً لتخرج من تحت الرماد ,
وإدوارد سعيد حين كتب :
المثقف هو الشخص الذي يملك القدرة على قول الحق في وجه القوة , والورقة هي سلاحه الوحيد غير القابل للمصادرة ,

وهو ما يدركه جيلنا الخمسيني بأن الورقة هي الهوية , بالنظر إلى قيمة الأصالة التي يتبناها واعتقاده في وصية مان كونها تنزع عن الكاتب الأنا وتجعل الورقة ملكاً للآتين وهذا هو قمة التواضع المعرفي والمسؤولية التأريخية .

يُروى أن عمرو بن بحر الجاحظ , أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء , قضى عمره يجمع الكتب وينسخ الورق , وفي أواخر حياته , أصيب بالفالج - الشلل - فكان يجلس في مكتبته محاطاً بأساطين من الكتب - مجلدات مرصوصة فوق بعضها - ويقال إن وفاته كانت بسبب سقوط هذه المجلدات والورق عليه , والدلالة ان هذه الواقعة ترمز إلى أن الكاتب يذوب في ورقه , وأن حياته ليست في جسده بل في تلك الأوراق التي جمعها وكتبها لتكون ملكاً لمن جاء بعده , والجاحظ لم يترك قصوراً , بل ترك كتاب الحيوان والبيان والتبيين وهي أوراق لا تزال تنبض بالحياة بعد ألف عام ,

ويُحكى أن الإمام ابن الجوزي , وهو من المكثرين جداً في الكتابة , كان يجمع براية أقلامه - الخشب الذي يسقط من القلم عند بريه بمبراة السكين - طوال حياته , وانه أوصى أهله فقال :
إذا مِتُّ , فاغسلوني بماءٍ سُخِّن بهذه البراية , أي انه أراد أن يقول إن حياته كلها كانت خدمة للورق والكلمة , حتى أن جسده الفاني تطهر بحطام الأقلام التي كتبت تلك الأوراق , هي رسالة للأجيال بأن قيمة الإنسان في مداده .

في ذاكرتنا العراقية , خاصة جيلنا الذي عاصر التحولات الكبرى , تكتسب الورقة قدسية خاصة , لأنها الوثيقة الوحيدة التي لا يمكن تزويرها إذا ما حُفظت بصدق , فما يكتبه الأديب في لحظة صدق , هو صك ملكية للأجيال القادمة ليعرفوا كيف فكر آباؤهم وكيف صمدوا , حيث ان الكلمةُ أمانة , والورقةُ حِصن , والكاتبُ الصادقُ ليس إلا حارساً لبيتِ الذاكرة , إنَّ الكاتبَ الحق لا يكتبُ لنفسه , بل هو مستأمنٌ على الحقيقة , فالورقةُ التي نكتبُها اليوم في مكاتبنا , هي صكُّ هوية لأحفادنا الذين سيُفتشون يوماً عن وجهِ العراقِ الأصيل , وعن قيمِ الكرامةِ التي لم تنحنِ للأعاصير , إنَّ الفارقَ بين بقاءِ الأمم واندثارِها هو في تلك الأوراق التي نحميها من غبارِ الإهمال , فإذا كان توماس مان قد خشي على فكرِه من حريقِ النازية , فإننا اليوم نخشى على ذاكرتِنا من حريقِ الرأسمالية المتوحشة وذيولها , لأن النار لم تعد في الساحات , بل في سرعة النسيان الرقمي. فليكن شعارُنا :

كلُّ سطرٍ نكتبُه هو حجرٌ في بناءِ غدِ أبنائنا ,
وكلُّ ورقةٍ نصونها هي عهدٌ بأنَّ جيلَنا لم يمتْ صمتاً , بل نطقَ حقاً , وخلّدَ أثراً .

تعليقات

أحدث أقدم