المعركة المقبلة .... أذربيجان / إيران

مشاهدات




د. ضرغام الدباغ


من يهوى، أو بالاحرى يحترف الجيوبولتيك يقضي ساعات طويلة في مطالعة الخرائط ، لا سيما تلك الدقيقة جداً منها, التي تظهر الابعاد الطول والعرض، والعمق والأرتفاع، وأن يعلم مدى المياه الاقليمية لكل دولة وأعماقها لأنها ستحدد صلاحية الملاحة، وبحسب عمق الغاطس لكل قطعة بحرية.. ومعرفة الابعاد والمسافات والاعماق ستضيف الكثير لمعلوماتك وحسن تقديرك للأزمات السياسية.

كنت قد كتبت أكثر من مرة في بحوث صادرة عن المركز الألماني العربي/ برلين، عن أذربيجان المقسمة إلى جزئين، الشمالي وهي دولة تامة الأستقلال وعاصمتها باكو، وكانت عضواً في اتحاد الجمهوريات السوفياتية، مساحتها (86,600 كم² (وعدد سكانها يناهزو 11 مليون نسمة، وهي اليوم دولة مهمة تتمتع بأقتصاد متين (الدخل القومي 74,3 مليار دولار)، وقدرات عامة جيدة، وعلاقات وثيقة جداً مع تركيا والولايات المتحدة وإسرائيل، وروسيا. أستعادت الجزء المستقطع منها (ناغورنو قرباغ) ولكن هناك مشكلة وجودية تعاني منها، بأنشطار كيانها القومي إلى الشطر الجنوبي وعاصمته تبريز، وتحتل إيران هذا الشطر المهم وبحجم سكانه (18 ــ 20 مليون نسمة) يعتمد الاقتصاد في أذربيجان الإيرانية على الصناعات الثقيلة، والغذائية، والزراعة، والحرف اليدوية. تعد مدينة تبريز أكبر مركز اقتصادي، إذ تحتوي على غالبية الصناعات الثقيلة والغذائية. يوجد في أذربيجان الإيرانية منطقتان للتجارة الحرة مخصصتان لتعزيز التجارة الدولية، هُما منطقة أراس الحرة ومنطقة ماكو الحرة. تعد صناعة الزراعة في أذربيجان الإيرانية أفضل نسبيًا من العديد من الأجزاء الأخرى من البلاد، وذلك راجع لهطول الأمطار الأعلى نسبيًا في البلاد. المسألة / المشكلة القومية (National question) هي القضية السياسية / الوطنية / الاجتماعية الأساسية في البلد، ولا ينقطع الآذريون عن التعبير بشتى الوسائل، في الشطرين عن توقهم ورغبتهم في توحيد وطنهم، وطالما شهدت المدن الآذرية (تحت الاحتلال الإيراني) عبر ثورات عارمة، عن طموحهم بتوحيد شطري الوطن، ويرون في أنفسهم توفر كافة مقومات الامة، من اللغة العريقة (التركية)، وعلى الاقتصاد المتين، إلى الثقافة والتقدم العلمي والاكاديمي، تاريخ النضال الآذري حافل بالمآثر والتضحيات لشعب يأمل أن يتوج هذا النضال بوحدة ترابه وقواه.

ممر زانغزور (Zangezur)كبؤرة توتر مرشحة للألتهاب
كتبنا أكثر من مرة وبرهنا بالمعطيات المادية والعقلية ، أن السياسة هي رياضيات، وعلم، ولكن مع ذلك كثير من قرائنا يفضلون الخرافات. والعنتريات، وقيم الفزعات العشائرية بعيداً عن التحليل العلمي، (وهذه دارجة هذه الأيام بشدة). ولكن لا بأس أن نعيد تصفيف الوقائع والبيادق على رقعة الشطرنج ... وكنا قد كتبنا قبل أكثر من سنة، عن بؤر توتر معروفة في العالم، هي أجنة صراعات مسلحة، ومنها ممر زانغزور ، وحين تكون هناك بؤرة توتر في مكان ما، فستكون سبباً في نشوء ملفات سياسات بصددها، وزانغزور هي بين إحدى الملفات في المنطقة بتواجد مباشر : لروسيا وتركيا وأرمينيا (ومن معها ومن خلفها)، وأذربيجان (ومن معها ومن خلفها) وإيران . قلنا أن إيران تزعم (تزعم، أي تدعي افتراء) أنها جمهورية إسلامية، وأنا أقول أن جمهورية زمبابوي الافريقية لها علاقة بالإسلام أكثر بكثير من إيران. ولا أقول هنا كلمات من لزوم المقال .. كلا .. بل هو وصف دقيق حقاً وفعلاً، وإليك التبرير العلمي :

زيمبابوي دولة لا تكن للعرب والمسلمين العداء، قد لا تؤيدها كما نحب، ولكنها لا تقوم ضدها بأعمال عدائية ، وإيران أرسلت قوات مسلحة نظامية قاتلت إلى جانب الأرمن خلال النزاع على أقليم قرةباغ، أما إيران، فليس لها هدف لا في السر ولا في العلن عدا معاداة العرب والإسلام، باستثناء مسرب غزة نجحت في فتحه ، ولم نوفق للأسف في غلقه ... وهذا مربط الفرس، وعن طريق هذا المسرب يحاولون الدخول لعقولنا وقلوبنا، بالحيلة والشطارة . نقول أن إيران منتوج بريطاني (Britsch protection) ونظام الملالي وقبله البهلوي، وقبله القاجاري، وقبله الصفوي، تابعون بدرجات متفاوتة من الإخلاص الصادق أو التكتيك، للغرب الذي تقوده الولايات المتحدة وبريطانيا، وحتى شاه إيران البهلوي كان أقل من الملالي التزاما بالخط البريطاني / الأمريكي. وشاه إيران أرسل جيشه إلى عمان لمحاربة قوى ماركسية ، بإشارة من الغرب، لم يرسل جيشه لمحاربة الآذريين المسلمين الشيعة ..! الملالي المرتدين الجبة والعمامة فعلوها مرتين طبعاً، قاتلوا المسلمين الآذريين الشيعة لمصلحة الأرمن .. السبب الظاهري والخفي معروف بالطبع.

أذربيجان تمثل حجارة سنمار (وهو مهندس فارسي) :
البناء الذي يرتكز على حجارة/ صخرة واحدة ينهار لو سحبتها . وإيران تفضل التحول للهندوسية على أن تترك أذربيجان تفلت من يدها، والإنكليز، بذكاءهم المعهود، ربطوا الفرس برباط ناعم أنيق طويل جداً، وهذا الرباط يؤمن مربطهم، فبسحبة واحدة، يردونه لقفصة ينتحب باكياً، وهذا الرباط هو أذربيجان الجنوبية وعاصمتها تبريز درة التاج الإيراني. وإيران تفعل كل شيء على ألا يضيع منها (حجر سنمار) وتتفلش كامل المنضدة الموزائيكية المسماة (إيران) فيهرب في الحال :

التركمان، والبلوش والعرب، والكرد، واللر، ويصبح دركي الشرق الأوسط في مهب الرياح.

وتفقد بريطانيا وأمريكا السيطرة عليها. وهم يعتقدون أن الملالي على خرفهم وعفنهم، أفضل من غيرهم، ولكن ربما أن الولايات المتحدة وبريطانيا صاروا (في مسار الحرب الأمريكية / الإسرائيليةــ الإيرانية) يفكرون في خيار تقسيم إيران. وكان خامنئي المخرف يقول :

إن أي خطوة تقرب الحلم الآذري بالوحدة سنقاومه بكافة الوسائل. ولكن الشعب الآذري سوف لن يتخلى عن حلمه، فنصف بلاده محتلة من الفرس، وأرجاء أخرى تحت السيطرة الأرمنية والممر زانغزور (Zangezur) الذي يربط أقليم ناختشيفان الآذري بالوطن تحتله أرمينيا لسبب واحد فقط :

هذا الممر (الكوريدور) سيربط ناختشيفان بريا بالوطن ، وتصبح أذربيجان الجنوبية (الإيرانية) مفتوحة أمامهم مثل ساحة كرة قدم. وإذا سحبت أذربيجان، فستسقط قطع الدومينو الأخر تباعاً، فلا معنى لبقاء التركمان مرتبطة بإيران، ولا الكرد بالطبع، ولا دولة الأحواز العربية، ولا البلوش، فكل هذه البلدان مقتطعة من أيام الاستعمار ... واللر (الفيليون، وهذه تسمية عراقية) وكل هذه الاقوام والشعوب ستبحث عن مستقبلها وسيجدون أنفسهم، كل مرغم على تأسيس كيانه القومي.

ما هو الجديد الذي ألهب الموقف وأغضب الفرس؟ ..
الفرس مستعدون للحديث في كل شيء، عدا تلك التي تمس كيانهم اللملوم، منها بحث موضوعة أرمينيا وأذربيجان وممر زانغزور، فيصابون بصداع، يؤدي للصرع ، واليوم وجد الأرمن (وهم بلد داخلي لا يطل على بحار) أن مكاسبهم من رقع متناثرة تربك خططهم في تقوية دولتهم، وارمينيا سوف لن يكرس وجودها إلا بقدراتهم وليس بقدرات الداعمين الوهمية ، والقيادة الأرمنية مضطرة لأن تناقش حلول واقعية وليست حلول هوائية خيالية. والأفضل أن يتفاهموا مع جارين قويين :

تركيا المطلة على عدة بحار(الأبيض، وإيجة، ومرمرة، والأسود)
وأذربيجان الشمالية، المطلة على بحر قزوين،

البلدين القويين ... وخطوا خطوات كبيرة بهذا الاتجاه، للتفاهم المفضي إلى علاقات منفتحة تنطوي على مكاسب سياسية واقتصادية كثيرة. الروس لاحظوا في هذا التوجه عين الصواب، وأيدوه ودعموه، لأنه منطقي ، ولأن الأطراف الثلاثة :

أذربيجان وأرمينيا وروسيا، ستجني المكاسب، فلماذا لا نوافق ونرحب، لأن فلاسفة المنطق في طهران شاهدوا فيه ضرراً، لأنهم مع الحلول الخنفشارية، وهاجت المشادة بين طهران وموسكو .. حين ورد ذلك في ختام زيارة قام بها الرئيس بوتين للعاصمة الآذرية / باكو، والصواريخ الخلبية والمسيرات، والعتاد، صار كله هواء في شبك ...

بقاء هذا الممر مضر بمصالح جميع الدول في المنطقة :
روسيا، أرمينيا، تركيا، آذربيجان،

ثم أن الممر وأرجاءه ليست أراض إيرانية، ولا توجد ذريعة قانونية يمكن أن يستند إليها ملالي طهران. فقلب طهران ملئ بالهواجس، ومتى لم يكن الأمر كذلك ... وفي جميع الملفات ؟

معطيات الازمة
ممر زانغزور، أو ممر زنگزور ( هو ممر النقل الذي في حالة تنفيذه، سيمنح دولة أذربيجان حرية الوصول دون عوائق إلى جمهورية ناخجوان المتمتعة بالحكم الذاتي دون نقاط التفتيش الأرمنية، عبر مقاطعة سيونيك في أرمينيا، وبمعنى واسع، للممر الجيو-سياسي الذي من شأنه أن يربط تركيا ببقية العالم التركي وبالتالي " توحيد الدول التركية ". لم يكن هذا المفهوم جزءًا من اتفاق وقف إطلاق النار في ناغورنو قره باخ لعام 2020، ولكن قدم إلى المعجم الجيو-سياسي لاحقًا من قبل إلهام علييف. وقد روج لهُ منذ ذلك الحين من قبل دولتي أذربيجان وتركيا، في حين اعترضت أرمينيا عليه بشكل ثابت، مؤكدة أن "مشروع الممر" ينحرف عن بيان وقف إطلاق النار، وأنه شكل من أشكال الدعاية صارت الممرات والطرق المحتملة وطرق النقل منذ ذلك الحين نقاط خلاف بين أذربيجان وأرمينيا، اللتين لا تزالان تحافظان على حصار متبادل فيما بينهما منذ عام 1989. بدأت أذربيجان مشاريع بناء على أراضيها لتقديمها كجزء من تنفيذ ما يسمى بممر زنغزور وهددت بأنه إذا لم ترغب أرمينيا في ذلك فإن أذربيجان "ستنفذ المشروع بالقوة". خلال المحادثات الثلاثية في عام 2021، أعربت أرمينيا عن استعدادها للمشاركة في إعادة بناء خطوط السكك الحديدية التي تعود إلى الحقبة السوفيتية والتي كانت تربط تاريخيًا بين أذربيجان وناخيتشيفان، والتي فسرتها أذربيجان على أنها موافقة أرمينية على "ممر زنغزور". وبحسب روسيا الطرف الثالث، فإن ما يناقش هو فك حجب الاتصالات الإقليمية، وليس إنشاء "ممر " . لقد وصف العديد من المراقبين الدوليين "ممر زانجيزور" بأنه أجندة قومية تركية، مستمدة من الفكرة الوحدوية، في حين أكد آخرون على حل الحصار باعتباره جانبًا رئيسيًا. وقد أكد بعض المحللين السياسيين اهتمام روسيا بتنمية هذا الطريق، نظرا لأنها ستكون ظاهريا الضامن الأمني للمسار.

خلفية تاريخية
زانغزور هو اسم المنطقة التي أنشأتها الإمبراطورية الروسية عام 1868 كجزء من محافظة يليزافيتبول، وتغطي مساحة تشمل ما يعرف اليوم بالجزء الجنوبي من أرمينيا. وسيونيك هو الاسم الأرمني لها، وهو مصطلح أقدم يعود تاريخه إلى العصور القديمة. كانت منطقة سيونيك (زنغزور) منطقة متنازع عليها بين جمهوريتي أرمينيا وأذربيجان الأوليتين بين عامي 1918 و 1920، لكن بعد انهيار الإمبراطورية الروسية. في يناير 1919، وافقت بريطانيا على الولاية القضائية الأذربيجانية على الإقليم، لكن صمود المقاومة الأرمينية أمام الضغط العسكري حتى دمجت الجمهوريتين في الاتحاد السوفيتي . ومنذ عام 1989، منعت أذربيجان وصول شحنات المواد إلى كل من أرمينيا وقره باغ، وواجهت ذلك الحصار الذي فرضته أرمينيا على نخجوان , والتي عانت بشكل كبير من الحصار الاقتصادي الذي فرضته أرمينيا عليها، كما عانت دولة أرمينيا غير الساحلية من الحصار الاقتصادي الذي فرضته أذربيجان وحليفتها تركيا. كان لا بد من إجراء الاتصالات الجوية والبرية بين أذربيجان وجمهورية نخجوان المتمتعة بالحكم الذاتي عبر الأراضي التركية أو الإيرانية. في عام 1992، أيدت تركيا "مفهوم الممر المزدوج" الذي قدمه لأول مرة بول أ. جوبل، والذي اقترح تبادل الأراضي بين أرمينيا وأذربيجان . وبموجب الاقتراح، ستتخلى أذربيجان عن مرتفعات قره باغ، التي ستربط بأرمينيا. وفي المقابل، ستسلم أرمينيا ممر زنغزور الجنوبي إلى أذربيجان، الذي يربط نخجوان بأذربيجان. في عامي 2001 و 2002 ، ناقشت أذربيجان وأرمينيا اتفاقًا بشأن اقتراح سلام "تبادل الأراضي" تتنازل بموجبه أذربيجان عن سيادتها على مرتفعات قره باغ (بما في ذلك ممر لاتشين، الذي يربط جنوب أرمينيا بآرتساخ، وكان بحكم الأمر الواقع تحت سيطرة أذربيجان). (جيش الدفاع آرتساخ ولكن بحكم القانون في أذربيجان في تلك المرحلة) لأرمينيا مقابل تنازل أرمينيا عن السيادة على ممر ميغري لأذربيجان. لكن المقاومة في الدولتين كانت قوية ضد تبادل الأراضي، وبالتالي لم تنجح الخطة.

تعليقات

أحدث أقدم