(الثنائي الصاروخ والمسيّرة) وتحولات القوة في حرب الخليج

مشاهدات




الفريق الركن صباح نوري العجيلي


1. المقدمة

في الحروب الحديثة لم يعد التفوق العسكري مرهوناً بالمنظومات التقليدية الثقيلة فقط ، بل أصبح يعتمد بشكل متزايد على تكامل أنظمة الاسلحة بعيدة المدى منخفضة الكلفة وعالية المرونة. وفي هذا السياق، برز “الثنائي الصاروخ والمسيّرة” كأحد أهم أدوات الصراع في بيئة الخليج، حيث تتقاطع الجغرافيا الضيقة، وحساسية البنى التحتية، وتعدد الفواعل العسكرية. هذا الثنائي لم يعد مجرد وسيلة إسناد، بل تحول إلى ركيزة في معادلة الردع وكسر الإرادات ومواجهة القوى المتفوقة تكنولوجياً. وفي سياق الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران الجارية في الوقت الراهن، اعتمدت طهران على هذا الثنائي كركيزة أساسية في استراتيجية الردع غير المتكافئ، لتعويض الفجوة في القوة الجوية التقليدية.


2. دور الحرب غير المتكافئة؛

تعتمد إيران في عقيدتها العسكرية على الحرب غير المتكافئة، لمنع الخصم من تحقيق أهدافه أو رفع كلفة تحقيقها إلى مستويات غير مقبولة. وفي هذا الإطار، أصبحت الصواريخ والمسيّرات أدوات مركزية في تنفيذ هذا النهج، خصوصًا في بيئة عملياتية تتسم بتفوق جوي أمريكي–إسرائيلي واضح. وخلال الأسبوع الثالث من الحرب ، أظهرت الإحصائيات إطلاق ما يقارب 4911 صاروخًا وطائرة مسيّرة باتجاه دول الخليج فقط، مقابل 850 صاروخ ومسّيرة باتجاه الكيان الاسرائيلي، وهو ما يعكس استراتيجية توزيع الضغط على مسرح عمليات واسع، بهدف تشتيت الجهد الدفاعي وإرباك منظومات الإنذار المبكر.


3.الصواريخ سلاح الضربة الاستراتيجية:

الصواريخ الباليستية والمجنحة العمود الفقري لقدرة الضربة بعيدة المدى. إذ تتميز الصواريخ الإيرانية بمديات تصل إلى أكثر من 2000 كيلومتر، وسرعات عالية جدًا في حالة الصواريخ الباليستية، ما يجعل اعتراضها تحديًا كبيرًا حتى لأحدث منظومات الدفاع الجوي . كما أن تطور دقة الإصابة في الأجيال الحديثة، بفضل أنظمة التوجيه المتقدمة، جعل هذه الصواريخ قادرة على استهداف منشآت حيوية مثل القواعد العسكرية والمطارات والبنية التحتية للطاقة. وتكمن أهميتها العملياتية في قدرتها على إحداث تأثير استراتيجي سريع، سواء عبر التدمير المباشر أو عبر خلق صدمة نفسية تؤثر على صناع القرار.


4.المسيّرات سلاح الاستنزاف الذكي:

على الجانب الآخر، برزت الطائرات المسيّرة، بخاصة الانتحارية منها، كسلاح منخفض الكلفة عالي الفاعلية. فرغم بطئها النسبي، إلا أنها تتمتع ببصمة راداريه منخفضة وقدرة طيران على ارتفاعات منخفضة، ما يجعل اكتشافها واعتراضها أمرًا معقدًاً. وتُستخدم المسيّرات في تكتيكات متعددة، أبرزها هجمات الاغراق (Swarm Attacks)، حيث يتم إطلاق أعداد كبيرة منها في وقت واحد لإرباك الدفاعات الجوية واستنزاف صواريخ الاعتراض باهظة الثمن. كما تلعب المسيرات دورًا مزدوجًا، إذ تُستخدم للاستطلاع وجمع المعلومات، ثم تنفيذ ضربات دقيقة على أهداف تكتيكية أو شبه استراتيجية.


5.الأبعاد الاستراتيجية لاستخدام الصواريخ والمسّيرات:

إن الاستخدام المكثف للصواريخ والمسيّرات لا يهدف فقط إلى تحقيق نتائج ميدانية مباشرة، بل يسعى إلى تحقيق أهداف أوسع، منها :

- فرض معادلة ردع جديدة قائمة على التهديد المستمر.

- توسيع مسرح العمليات ليشمل عدة جبهات في آن واحد.

التأثير على الاقتصاد، خاصة عبر استهداف المنشآت النفطية والموانئ.

- الضغط النفسي والسياسي على الحكومات عبر نقل الحرب إلى العمق.


6. دور حلفاء إيران: توسيع جبهة الإسناد بالصواريخ والمسيّرات

لم يقتصر استخدام هذا الثنائي على إيران وحدها، بل امتد ليشمل حلفاءها في الإقليم، وعلى رأسهم حزب الله في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، الذين لعبوا دورًا محوريًا فيما يمكن وصفه بـ "الإسناد الناري غير المباشر". يعتمد هذا الدور على فتح جبهات متعددة ومتزامنة، بما يؤدي إلى تشتيت الجهد العسكري للخصم وإرباك منظوماته الدفاعية. فقد استخدم حزب الله مزيجًا من الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، إلى جانب المسيّرات الهجومية، لتهديد العمق الإسرائيلي من الجبهة الشمالية، في حين كثّفت الفصائل العراقية من هجماتها بالمسيرات والصواريخ باتجاه القواعد الأمريكية وأهداف في الخليج، ضمن نطاق جغرافي واسع.  وتكمن أهمية هذا الإسناد في أنه يمنح إيران عمقًا عملياتيًا إضافيًا دون الانخراط المباشر بكامل قدراتها، كما يفرض على الخصم توزيع دفاعاته على عدة محاور، ما يضعف من كفاءتها ويزيد احتمالات الاختراق. وبذلك، يتحول هذا الثنائي إلى أداة مشتركة ضمن شبكة إقليمية مترابطة، تعزز من فعالية الردع غير المتكافئ وتكرّس مفهوم "وحدة الساحات" في إدارة الصراع.


7. التكامل العملياتي بين الصواريخ والمسيّرات

يقوم هذا الثنائي على مبدأ “التشبع والإرباك”. فالصواريخ، سواء كانت باليستية أو كروز، توفر قدرة تدميرية عالية وسرعة اختراق، بينما تمنح المسيّرات القدرة على الاستطلاع، التتبع، والمعالجة الدقيقة منخفضة الكلفة. وعند استخدامهما معاً، يتم تحقيق عدة أهداف :


- تشتيت أنظمة الدفاع الجوي عبر هجمات متزامنة من اتجاهات متعددة.

- استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية المكلفة.

- توليد ضغط مستمر على مراكز القيادة والسيطرة.


هذا التكامل يجعل الدفاع في حالة رد فعل دائم بدلاً من المبادرة.


8. التكامل العملياتي : معادلة الإغراق المركب

تكمن خطورة هذا الثنائي في تكامله العملياتي. فالمسيّرات تُستخدم أولًا لاختبار الدفاعات الجوية وكشف مواقعها واستنزاف قدراتها، ثم تتبعها الصواريخ لضرب الأهداف الحيوية بدقة وسرعة. هذا الأسلوب ، المعروف بالإغراق المركب”، يضع الخصم أمام معضلة معقدة : 

إما استهلاك مخزون كبير من الصواريخ الاعتراضية لمواجهة تهديدات منخفضة الكلفة، 

أو المخاطرة بمرور تهديدات أكثر خطورة.


وبذلك، تنتقل المعركة من صراع تقليدي على السيطرة الجوية إلى حرب استنزاف تعتمد على الكلفة والقدرة على التحمل.


9.البيئة الخليجية حاضنة مثالية لهذا النمط؛ تتميز منطقة الخليج بعدة عوامل تعزز فعالية هذا الثنائي:

- قصر المسافات بين منصات الإطلاق والأهداف الحيوية.

- كثافة المنشآت النفطية والموانئ ومحطات التكرير.

- الاعتماد العالي على البنية التحتية الثابتة الحساسة.


هذه الخصائص تجعل أي هجوم مركب بالصواريخ والمسيّرات قادراً على إحداث تأثير استراتيجي سريع حتى دون تحقيق تدمير شامل.


10.الخاتمة :

في ضوء ما سبق، يتضح أن الثنائي (الصاروخ والمسيّرة) لم يعودا مجرد أدوات دعم في ساحة المعركة، بل أصبحا ركيزة أساسية في بناء القوة العسكرية للدول التي تواجه خصومًا متفوقين وقد نجحت إيران عبر هذا الثنائي، في فرض معادلة ردع غير متكافئة أربكت الحسابات التقليدية للحرب. ومع انخراط حلفاء إيران في استخدام هذا النمط من القتال، تتعزز شبكة الضغط متعددة الجبهات، ما يجعل أي مواجهة مستقبلية أكثر تعقيدًا واتساعًا. وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن الحروب القادمة لن تُحسم فقط بالتفوق العسكري التقليدي، بل بالقدرة على إدارة الاستنزاف، وتوزيع الجهد، وكسر إرادة الخصم عبر أدوات غير متكافئة. وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية، سيبقى هذا الثنائي عاملاً حاسماً في تحديد شكل الصراع، ليس فقط من حيث نتائجه العسكرية، بل أيضاً في تأثيره المباشر على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي.

تعليقات

أحدث أقدم