مقامة الدال والتباهي بالخيال : أكاديميون بلا علم , وشهادات بلا فكر .

مشاهدات


صباح الزهيري


نظرة فيمَن أرخصوا قيمة الدكتوراه والأستاذية

يقول الشاعر الفرنسي إلفرد دو موسّيه :
ليس للرجل سوى مجدٍ واحد حقيقي , هو التواضع ,

إن العلم الذي لا يزيد صاحبه تواضعاً هو جهل مقنع , والمؤسف أن بيئتنا الأكاديمية ما تزال تشهد هوساً كبيراً بالألقاب - أستاذ , دكتور , بروفيسور - وتفاخراً مبالغاً فيه بالشهادات , في وقت لا تعبر فيه هذه الألقاب أحياناً عن المستوى الحقيقي لأصحابها , وكما يقول ماثيو ماكونهي :

الشهادة ورقة تثبت أنك متعلم , ولكنها أبداً لا تثبتُ أنك تفهم ,

لسنا هنا لنقلل من قيمة التحصيل العلمي , ولكننا ضد أن يتحول الناس إلى عُبَّاد للألقاب والبريستيج الفارغ والتعالي الثقافي.

لنا في غابر الأزمان وعظيمِ الشأنِ عبرة , فقد كان العِلمُ في صدور الرجالِ مَهابةً قبل أن يكون في الأوراقِ رتبة , ألم يأتِ الخليفةُ هارون الرشيد إلى مجلس الإمام مالك متواضعاً حين سمع قوله :

العلمُ يُؤتى ولا يأتي؟
فالعالمُ الحق هو من يُجبر السلاطين على إجلال عِلمه بنزاهته , لا بصخبِ ألقابه , وفي المقابل , لم يكن سلفنا الصالح يتركون حياضَ العِلم مُباحةً لكلّ دعيٍّ زوّر أو مارقٍ تزيّد , فقد عُرف عن بني العباس نظامُ الامتحان والإجازة, حيث كان يُطاف بالمدّعي والجاهل في الأسواق ليُشهر به , لا لشيءٍ إلا صيانةً لعقول العامة من دجل المستدكتورين وأوهام المتفيقهين , وكان في الأندلس نظامُ الحسبة , حيث يُعاقب من غشّ في الطب أو الحكمة بالجلد والمنع , لأنهم أدركوا يقيناً أنَّ غشّ التاجر يفسدُ مالاً , أما غشّ الأستاذ فيفسدُ أمّةً بأكملها , إنّ التزوير اليوم ليس مجرد ورقةٍ زُيفت , بل هو انتحالٌ لجهدِ الأوفياء , وإهانةٌ لجيلٍ كامل يُراد له أن يتعلّم على يد مَن لا يفقهُ حديثاً .

وفي غمرةِ هذا الزيفِ المستشري , وركضِ القومِ خلفَ سرابِ الوجاهة , وقفتُ مع نفسي وقفةَ تأملٍ وإنصاف , فرأيتُ أنَّ حرفَ (الدال) قد صارَ عند البعضِ صنمًا يُعبد , وبابًا للفشخرةِ يُطرق , حتى استحالَ اللقبُ قيدًا يكبّلُ جوهرَ الكلمة , وحجابًا يحجبُ وجهَ الحقيقة , ولما كانَ العِلمُ جوهرًا لا مظهرًا , وفضيلةً لا وسيلة , فقد عزمتُ أمري وقررتُ أنْ أتحررَ من صولةِ هذا الحرف , فلا يسبقُ اسمي في كتابٍ أسطرهُ أو مقالٍ أنشره , قناعةً مني بأنَّ الاسمَ الصادقَ يكفي صاحبه , وأنَّ ثوبَ التواضعِ أبهى من حللِ الألقابِ الزائفة , فما نهى اللهُ عن التنابزِ بالألقابِ إلا صونًا للنفوسِ من التعالي , وإنا لممن تكفيهم أسماؤهم وتزكيهم أعمالهم . إن الأستاذ الجامعي المستحق لهذا اللقب هو من يُشهد له بالنزاهة والعفة , بصفته من صفوة المجتمع الذين يتحملون مسؤولية تنشئة الجيل في أصعب مراحله العمرية , وتشهد الكثير من الجامعات العربية برقي الأستاذ الجامعي العراقي علمياً وأخلاقياً , وهي شهادة انعكست تاريخياً على أداء مؤسسات التعليم العالي , إلا أنه , ومع كل أسف , لا تخفى الإساءات المتكررة التي يرتكبها البعض ممن أُطلق عليهم لقب أستاذ وهم أبعد ما يكونون عن مواصفات هذا اللقب تربوياً وسلوكياً.

ان آفة التزوير سمٌّ قاتل في جسد التعليم , حيث يمثل التعليم العالي ركيزة الابتكار , ومن خلاله تُصقل المهارات , لكن الاعتراف بالشهادات المزورة يشكل خرقاً فادحاً لهذه القاعدة , ويؤدي إلى تقويض الجودة وتحول المؤسسات من منارات للعلم إلى بيئة خصبة للغش والخداع , وينتج عنه إحباط الكفاءات, عندما يرى الطالب المجتهد أن الغش يُكافأ , يفقد الثقة بالنظام التعليمي وتتثبط حوافزه للإبداع , ويسبب تدهور النسيج الاجتماعي بأنتشار ثقافة السرقة والاحتيال كطريق للوصول إلى المناصب. ومع تردي واقع التعليم وخروج الجامعات العراقية من تصنيف شنغهاي, أصبح تزوير الشهادات ملفاً شائكاً رغم كونه جريمة مخلة بالشرف يعاقب عليها القانون بالسجن سبع سنوات , ومن الحقائق الصادمة , يمكننا ان نؤشر فضيحة الجامعات اللبنانية ببيع 27 ألف شهادة عليا - ماجستير ودكتوراه - لطلاب عراقيين , وقد كشف وزير التربية عن ضبط 450 شهادة مزورة في مؤسسات حكومية خلال عام 2023 فقط , وسعى البرلمان العراقي سابقاً لإدراج المزورين ضمن قانون العفو العام , وأقر في عام 2020 قانوناً لمعادلة الشهادات أثار استياءً واسعاً كونه يسهل تمرير عمليات التزوير , ويمثل صدمة للأوساط الأكاديمية الرصينة . وعن تزوير الشهادات وهيبة الدولة , إن الشهادة الجامعية ليست ورقة تُعلق , بل هي اعتراف بالجدارة , وعندما تغلغلت هذه الآفة في مفاصل الدولة , أدت إلى انهيار الإدارة وتسلم شخصيات غير مؤهلة مناصب عليا ولجان برلمانية تخصصية وهم لا يملكون أدنى خبرة , مما سلب حقوق أصحاب الشهادات الحقيقية , وأدت الى العزلة الدولية بعد تهديد سمعة الدولة وتدهور التعاون العلمي مع العالم , والفساد السياسي , باستغلال بعض السياسيين لهذه الشهادات كجواز مرور للعملية السياسية دون استحقاق. يستمد العالم الحقيقي قوته من علمه لا من حرف الدال أو الأستاذية التي تسبق اسمه , والدولة القوية هي التي تحمي هيبة العلم بتنقيته من الشوائب والمزورين , لأن قبول التزوير هو اعتراف بانهيار المعايير الأخلاقية , إن ظاهرة الشهادات المزورة والألقاب العلمية غير الرصينة هي قنبلة موقوتة تنخر في جسد المجتمع الأكاديمي وقيادات الدولة , إننا بحاجة إلى تحرك حكومي حقيقي , وتشديد العقوبات , وتفعيل دور المؤسسات التعليمية في نشر ثقافة النزاهة قبل أن تنهار منظومة إدارة الدولة بالكامل.

تعليقات

أحدث أقدم