مقامة الغيب والعراق : ذاكرة الوجع وصراع البقاء

مشاهدات

صباح الزهيري


يقول الشاعر ياسر الجابري :

أدر للغيب ظهرك يا عراقي وإن لم يغدُ معك على وفاقِ ,
وقوفاً طالما في الدهر قامت لك الدنيا على قدمٍ وساقِ ,
ولو سرج البراق لغيرِ طه لما أسرى سواك على البراقِ
,

بهذه الروحية , يقف العراق اليوم أمام واحدة من أكثر مراحله حساسية , حيث يواجه اقتصاداً مرتبكاً , مؤسسات مترهّلة , حدوداً رخوة , وخلافات سياسية تتجدد مع كل موسم , مما أدى إلى تراجع واضح في هيبة الدولة وقدرتها على فرض القانون , وسط وجهات نظر متباينة لا تخلو من الحدة , وهي الصفة التي وسمت الشخصية العراقية منذ قرون . إن الانحياز الأعمى والتعصب الديني والقومي يُفقدان حتى المتعلمين عقولهم , ويقود الى الانقسام المجتمعي , وفخ الجهل والتعصب , فكيف الحال بمن يفتقرون أصلاً إلى العلم والثقافة ؟ ان تداعيات الجهل تفرز الأمية أرضاً خصبة للأحقاد , والعنف الأيديولوجي يحول الخلافات السياسية إلى جرائم قتل وتصفيات , وغياب المعايير كما وصف يحيى السماوي المشهد :

في وطن بات مسلخاً بشرياً ما عُدنا نميّز فيه بين اللصّ والنّاطور, بين البرتقالة والقنبلة , ولا بين عِمامَتي زياد بن أبيه وعمّار بن ياسر .

وعن مفارقة الزمن , ينحدر العراق من باليه بغداد إلى العصر الجاموسي :

لأنه هو العراق يا صدراً ألوذ به كما يلوذ عصفور بذي زغب , قبل أن يبتلعنا هذا العصر , وقبل مجيء سلالات كركوش وعصور الطين والزنجار , كان العراق رائداً , ففي عام 1968 تأسست مدرسة بغداد للموسيقى والباليه , لتكون الأولى في الشرق الأوسط التي تدرج الفن جنباً إلى جنب مع الرياضيات واللغة , واليوم , يهاجم البعض هذا الإرث بدعاوى واهية , لكن الحقيقة أن من يعاني من سعار جنسي أو بيئة مضطربة , سيثيره حتى حذاء طفلة , وهنا نتساءل :

لماذا ننفعل بهذه السرعة ؟ ولماذا يتحول الخلاف التافه إلى مفتاح لسرداب طويل من الكراهية؟

في سيكولوجية الإنسان العراقي , يكون الصمت مخزنا للانفعال , فالصمت في التجربة العراقية ليس دليل اتزان , بل هو آلية بقاء , لقد علّم التاريخ القريب الفرد أن الكلام مكلف , وأن التعبير قد يُساء فهمه أو يُعاقب عليه , ففي الذاكرة المتشابكة , خلاف اليوم يستدعي خيانة الأمس , ونقاش بسيط يستحضر تاريخاً من التهميش , وتقول نظرية القشة ان الانفعال العراقي ليس رد فعل آنياً , بل هو ذاكرة متراكمة تبحث عن ذريعة , والقشة التي تقصم ظهر البعير لا تسببت في السقوط , بل أزاحت الستار عن حِملٍ ثقيل كان يتضخم بصمت , لنصل الى الحقيقة المرة نحن لا نصمت لأننا متسامحون , بل لأننا مُتعبون .

ان أزمة الدولة هي غياب الكفاءة وحكم القرابة , وفي الدول التي تحترم شعوبها , تكون الكفاءة والولاء الوطني هما بوابة المناصب , أما في العراق فقد انقلبت المعادلة , وباتت القرابة السياسية بطاقة العبور والمعيار الوحيد لتولي مناصب السفراء والوزراء والمستشارين , وتُمعن الطبقة السياسية في توزيع الغنائم وتقاسم الدولة كأنها مزرعة حزبية أو عائلية , متجاهلة آهات الشعب , وبينما يصطف الشرفاء في الميادين يدفعون دمائهم للملمة شتات الوطن , تفرط الطبقة الحاكمة في السيادة والمسؤولية لتثبيت سلطتها , وفي عراق ما بعد الخراب , يبدو أن كل شيء قابل للكسر حتى كرامة المواطن التي تضيع في زحمة التواقيع والمخاطبات. وفي استشراف المستقبل , نتطلع الى الشباب كرافعة للتغيير, فعلى الرغم من قتامة المشهد وتغلغل القرابة السياسية في مفاصل الدولة , إلا أن العراق لا يزال يمتلك مخزوناً بشرياً لا ينضب , الشباب العراقي اليوم , الذي نشأ بين ركام الحروب وصدمات التحول , بدأ يدرك أن الصمت لم يعد آلية بقاء , بل صار عبئاً يعيق المستقبل , وبدأ وعي جديد يتكون , جيل يرفض التصنيف الطائفي والمناطقي , ويبحث عن دولة المواطنة لا دولة المكونات , وبدأت المبادرة الفردية تظهر وبروز طاقات شابة في الفن والتكنولوجيا والعمل المدني , تعيد إحياء روح مدرسة الموسيقى والباليه , وتتحدى العصر الجاموسي بالمعرفة والجمال . وفي الخاتمة , وما وراء الصمت والانتظار :

إن العراق ليس مجرد جغرافيا للمحن , بل هو مختبر دائم للقيامة من بين الرماد , إن الانتقال من ذاكرة الوجع إلى إرادة البناء يتطلب شجاعة في مواجهة الذات قبل مواجهة السلطة , شجاعة في استبدال الصمت المتعب بحوار منتج , وفي تحويل الانفعال المتراكم إلى طاقة للتغيير السلمي والقانوني , لقد آن الأوان لكي لا تُقصم ظهورنا بقشة , بل لكي نبني من تلك القشاش أعشاشاً للأمان , ونعيد للدولة هيبتها وللمواطن كرامته , فالعراق الذي أسرى على براق التاريخ أول مرة , قادر على أن يسرج خيل النهضة من جديد , شرط أن يدرك أبناؤه أن الوطن لا يُورث كضيعة , بل يُبنى كصرح للكفاءة والعدل.

تعليقات

أحدث أقدم