عبدالرزاق الزرزور
محامي وناشط حقوقي سوري
تحول استراتيجي في معادلة الصراع على مستقبل إيران
يشهد الملف الإيراني في الأشهر الأخيرة تحوّلًا ملحوظًا في طبيعة النقاش الدولي حول مستقبل السلطة في طهران. فبعد عقود من التركيز على سياسات الاحتواء أو التفاوض مع النظام، يتزايد الاهتمام في الأوساط السياسية الغربية بسؤال البديل. وفي هذا السياق، مثّل إعلان المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية تشكيل حكومة مؤقتة انتقالية خطوة سياسية نوعية أعادت رسم ملامح هذا النقاش. الخطوة تستند إلى خطة النقاط العشر التي طرحتها السيدة مريم رجوي، والتي تقدم تصورًا مؤسسيًا لمرحلة انتقالية مدتها ستة أشهر تنتهي بانتخابات حرة وتأسيس نظام جمهوري ديمقراطي يفصل الدين عن الدولة. وفي بيئة دولية تزداد قلقًا من السجل المتدهور لحقوق الإنسان في إيران ومن الدور الإقليمي المزعزع للاستقرار الذي يلعبه نظام ولاية الفقيه، اكتسب الإعلان أهمية تتجاوز الرمزية السياسية ليصبح إطارًا عمليًا لمرحلة ما بعد النظام.
تأييد سياسي غربي متزايد لبديل منظم
أحد أبرز المؤشرات على هذا التحول هو موجة الدعم السياسي الدولي التي أعقبت الإعلان. فقد أكد وزير الخارجية الأمريكي السابق مايك بومبيو، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام أمريكية بينها تقارير سياسية بارزة، أن المعارضة الديمقراطية الإيرانية بقيادة منظمة مجاهدي خلق تمتلك الجاهزية التنظيمية والسياسية لقيادة مرحلة انتقالية. وأشار بومبيو إلى أن مؤتمرات "إيران حرة" السنوية التي تنظمها المقاومة الإيرانية منذ سنوات؛ تعكس بنية تنظيمية متماسكة وشبكة دعم دولية واسعة، وهو ما يجعل الحركة – وفق تقييمه – من بين القوى القليلة القادرة على إدارة انتقال سياسي معقد في دولة بحجم إيران. هذا الموقف يعكس تغيرًا تدريجيًا في الإدراك الغربي: فبدل النظر إلى المعارضة الإيرانية بوصفها مجرد حركة احتجاجية، يجري التعامل معها بشكل متزايد باعتبارها فاعلًا سياسيًا يمتلك برنامج حكم واضحًا.
دعم أوروبي يعكس إدراكًا متزايدًا لطبيعة الأزمة
في أوروبا، جاءت ردود الفعل في الاتجاه نفسه. فقد اعتبر وزير الخارجية الإيطالي الأسبق جوليو تيرزي أن إعلان الحكومة المؤقتة يشكل خطوة عملية نحو إقامة جمهورية ديمقراطية مدنية تستند إلى برنامج سياسي واضح المعالم. كما وصف النائب السابق في البرلمان الأوروبي باولو كازاكا المبادرة بأنها آلية تمكّن الشعب الإيراني من استعادة حقه في تقرير مصيره بعد عقود من الحكم الاستبدادي .أما في بريطانيا، فقد أشاد عضو مجلس اللوردات ورئيس لجنة حقوق الإنسان البرلمانية اللورد ديفيد ألتون بخطة النقاط العشر، معتبرًا أنها توفر إطارًا جامعًا للوحدة الوطنية حول مشروع سياسي يقوم على سيادة القانون واحترام المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
تأييد حقوقي دولي يعزز شرعية المشروع
الدعم لم يقتصر على السياسيين، بل امتد إلى شخصيات ومؤسسات حقوقية دولية. فقد أعلنت النائبة المولدوفية السابقة يوليا داسكالو دعمها الكامل للحكومة الانتقالية، معتبرة أن إرادة الشعب الإيراني يجب أن تكون المرجعية الوحيدة لمستقبل البلاد بعد سنوات طويلة من القمع. وفي إسبانيا، أكد رئيس الرابطة الإسبانية لحقوق الإنسان فرانسيسكو خوسيه ألونسو رودريغيز أن إعلان الحكومة المؤقتة يضع أساسًا متينًا لبناء جمهورية خالية من التمييز والقمع. أما في كندا، فقد عبّرت زعيمة الحزب الديمقراطي السابقة كانديس بيرغن عن أملها في أن يتيح هذا المشروع للشعب الإيراني اختيار حكومته بحرية عبر انتخابات حقيقية. كذلك أعلن رئيس مجلس النواب الأمريكي الأسبق نيوت غينغريتش دعمه للمبادرة عبر منصة "إكس"، مؤكدًا أنها تمثل طريقًا عمليًا نحو جمهورية تحترم الحريات الأساسية.
اهتمام إعلامي دولي متزايد بمرحلة ما بعد النظام
تزامن هذا الحراك السياسي مع تغطية إعلامية دولية لافتة ركزت على تفاصيل المشروع الانتقالي. فقد تناولت مقابلات في قناة BFM TV الفرنسية ملامح المرحلة الانتقالية المقترحة، التي تتضمن إلغاء عقوبة الإعدام، وضمان المساواة بين الجنسين، وتنظيم انتخابات حرة خلال ستة أشهر. كما ركزت تقارير في وسائل إعلام أمريكية مثل فوكس نيوز على دور وحدات المقاومة داخل إيران في تحدي النظام وإبقاء الضغط الداخلي مستمرًا. وفي هذا السياق، دعا مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق الجنرال جيمس جونز المجتمع الدولي إلى الاعتراف بالحكومة المؤقتة باعتبارها سلطة انتقالية شرعية، واصفًا خطة النقاط العشر بأنها وثيقة ذات طابع "جيفرسوني" تعكس مبادئ الحرية والانتخابات الحرة وفصل الدين عن الدولة.
نحو مرحلة جديدة في الصراع على مستقبل إيران
تشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن النقاش الدولي حول إيران بدأ ينتقل من إدارة الأزمة إلى التفكير في مرحلة ما بعد النظام. فمع استمرار القمع الداخلي، وتفاقم الأزمات الاقتصادية، وتصاعد الاحتجاجات الشعبية، تتزايد القناعة بأن نظام ولاية الفقيه لم يعد قادرًا على إنتاج الاستقرار أو الشرعية. وفي هذا السياق، يكتسب مشروع الحكومة المؤقتة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية أهمية خاصة، لأنه يقدم خارطة طريق واضحة ومنظمة لانتقال سياسي سلمي. وبينما يحاول النظام الإيراني الحفاظ على بقائه عبر القمع الداخلي والمغامرات الإقليمية، فإن تزايد الاعتراف الدولي بوجود بديل سياسي منظم قد يمثل عاملًا حاسمًا في إعادة تشكيل معادلة القوة في إيران. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بانتقاد النظام، بل بوجود مشروع سياسي متكامل قادر على ملء الفراغ عندما يسقط حكم الملالي.

إرسال تعليق