الحرب الامريكية على إيران: بين الحسم والاستنزاف

مشاهدات



الفريق الركن صباح نوري العجيلي


المقدمة

مع دخول الحرب الأمريكية -الإسرائيلية ضد إيران أسبوعها الثاني، ما زالت العمليات العسكرية مستمرة بوتيرة عالية في ظل تبادل الضربات الجوية والصاروخية بين الطرفين . وعلى الرغم من التفوق العسكري الواضح الذي تمتلكه الولايات المتحدة وإسرائيل في مجالات القوة الجوية والدفاع الجوي والبحرية والتكنولوجيا العسكرية، فإن المؤشرات الأولية للصراع توحي بأن الحرب قد لا تكون قصيرة أو حاسمة، بل مرشحة للتحول إلى صراع ممتد ومتعدد الأبعاد قد تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية والاقتصادية والسياسية. 


إن انتخاب مرشد جديد لإيران، بالتوازي مع فشل الرهانات على تدخل أو حراك شعبي يؤدي إلى إسقاط النظام، يضعف فرضية الحسم السريع عبر الضغط الداخلي، ويشير في المقابل إلى أن الصراع يتجه تدريجياً نحو نمط حرب الاستنزاف طويلة الأمد، حيث يسعى كل طرف إلى إنهاك الآخر عسكرياً واقتصادياً ونفسياً بانتظار تغير موازين القوى أو الظروف السياسية.


طبيعة العمليات العسكرية واحتمالات طول أمد الحرب

اعتمدت الولايات المتحدة وإسرائيل في المرحلة الأولى من الحرب على استراتيجية الضربات المركزة التي تستهدف مراكز القيادة والسيطرة، ومنظومات الدفاع الجوي، والقواعد الصاروخية والبحرية الإيرانية. وقد أدت هذه الضربات إلى مقتل المرشد علي خامنئي وأعضاء مجلس الدفاع وإلحاق خسائر كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية، شملت تدمير أجزاء من منظومات الدفاع الجوي وتضرر القدرات البحرية، إضافة إلى استهداف عدد من القيادات العسكرية والسياسية. ومع ذلك، فإن طبيعة العقيدة العسكرية الإيرانية تقوم على الانتشار الواسع واللامركزية في إدارة العمليات، فضلاً عن امتلاكها ترسانة صاروخية كبيرة وقدرات متنامية في مجال الطائرات المسيّرة. هذه العوامل تمنح طهران قدرة على الاستمرار في القتال حتى في ظل التفوق العسكري للخصم. وفي حال عدم تحقق حسم سريع، فإن الحرب قد تتجه تدريجياً نحو نمط حرب الاستنزاف التي تعتمد على إطالة أمد الصراع وإرهاق الخصم عسكرياً واقتصادياً.


اتساع نطاق الحرب إقليمياً

لم يبق الصراع محصوراً بين أطرافه المباشرين، بل بدأت تداعياته تمتد إلى محيط إيران الإقليمي . فقد ارتفعت مستويات التوتر في منطقة الخليج العربي، وأصبحت دول الجوار، ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي، في دائرة التأثر المباشر بالحرب رغم أنها كانت من أبرز الأطراف التي سعت إلى الوساطة لمنع اندلاعها. إن اتساع رقعة الصراع يحمل أخطار تحول الحرب إلى مواجهة إقليمية متعددة الجبهات، خصوصاً في ظل وجود قواعد عسكرية أجنبية ومنشآت طاقة استراتيجية في المنطقة، ما يزيد من تعقيد البيئة الأمنية ويصعب احتواء التصعيد بسرعة.


فشل تعبئة الداخل الإيراني

من بين المؤشرات المهمة في مسار الصراع أن الجهود الرامية إلى تحريك الشارع لإسقاط النظام في إيران لم تحقق النتائج المتوقعة. فقد راهنت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، بدرجات متفاوتة، على أن الضغوط العسكرية والاقتصادية قد تدفع المجتمع الإيراني إلى الانتفاض ضد النظام، بما يؤدي إلى إضعافه أو تغييره من الداخل. إلا أن المؤشرات حتى الآن تدل على أن البنية السياسية والأمنية للنظام ما زالت قادرة على ضبط الداخل، مستفيدة من تماسك المؤسسات الرئيسية، وفي مقدمتها الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى قدرة الدولة على إدارة الأزمات الداخلية واحتواء الاحتجاجات.


دور حلفاء إيران في توسيع نطاق الحرب

تعتمد الاستراتيجية الإيرانية منذ سنوات على بناء شبكة من الحلفاء والقوى المسلحة في المنطقة، ما يمنحها قدرة على إدارة الصراع خارج حدودها الجغرافية . ففي لبنان يشارك حزب الله في العمليات القتالية ضد إسرائيل عبر إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة واستهداف المواقع العسكرية على الجبهة الشمالية، في محاولة لتخفيف الضغط العسكري عن إيران وتشتيت الجهد العملياتي الإسرائيلي. وفي الوقت نفسه تنفذ بعض الفصائل المسلحة ضمن الحشد الشعبي في العراق هجمات تستهدف القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة. ويهدف هذا النشاط إلى توسيع نطاق المواجهة ورفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة. إن مشاركة هذه القوى في الصراع تجعل الحرب أقرب إلى مواجهة إقليمية غير متماثلة، حيث تتوزع العمليات العسكرية على عدة مسارح عمليات في وقت واحد.


انتقال القيادة في إيران واستمرارية استراتيجية المواجهة

إن انتخاب مرشد جديد في إيران، خصوصاً في ظل ظروف صراع أو توتر إقليمي، قد يُفسَّر على أنه رسالة سياسية واستراتيجية تؤكد استمرار نهج المواجهة وعدم التراجع تحت الضغط. فالنظام يسعى من خلال انتقال السلطة المنظم عبر مجلس خبراء القيادة إلى إظهار تماسكه وقدرته على مواصلة إدارة الصراع، سواء كان عسكرياً مباشراً أو في إطار الحروب غير المباشرة في الإقليم. كما أن هذا الانتقال غالباً ما يتم بالتنسيق مع مراكز القوة الأمنية، وفي مقدمتها الحرس الثوري الإيراني، ما يعزز الانطباع بأن السياسات الاستراتيجية الكبرى، ومنها إدارة الصراع، ستستمر دون تغيير جوهري . انتخاب مرشد جديد في إيران في ظروف التوتر لا يعكس فقط استمرارية النظام، بل قد يشير أيضاً إلى استمرارية نهج المواجهة والصراع، وأن تغيير القيادة لا يعني بالضرورة تغيير الاستراتيجية.


مسار حرب الاستنزاف طويلة المدى:

أحد المسارات المتوقعة للحرب الدائرة في المنطقة هو تحولها إلى حرب استنزاف طويلة الأمد. فانتخاب مرشد جديد في إيران عبر مؤسسات النظام، وعلى رأسها مجلس خبراء القيادة، يبعث برسالة مفادها أن بنية النظام ما زالت قادرة على إعادة إنتاج القيادة وضمان الاستمرارية السياسية. هذه الاستمرارية تعني عملياً أن طهران تمتلك الإرادة والمؤسسات اللازمة لمواصلة الصراع لفترة طويلة إذا اقتضت الظروف. وفي هذا السياق، تلعب المؤسسات الأمنية والعسكرية، وخاصة الحرس الثوري الإيراني، دوراً محورياً في إدارة الصراع بأسلوب الاستنزاف، عبر مزيج من العمليات غير المباشرة، والضغط الإقليمي، وإطالة أمد المواجهة بهدف إنهاك الخصم سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. إن انتقال القيادة بسلاسة في إيران لا يدل فقط على استقرار النظام، بل قد يشير أيضاً إلى استعداده لخوض صراع طويل الأمد يقوم على مبدأ الاستنزاف المتبادل بدلاً من الحسم السريع. إن عدم نجاح الرهان على تفجير الداخل الإيراني يعني أن خيار تغيير النظام من الداخل لم يتحقق، الأمر الذي يدفع الصراع إلى مسار آخر أكثر ترجيحاً، وهو إطالة أمد المواجهة وتحولها إلى حرب استنزاف طويلة بدلاً من حسم سريع عبر انهيار داخلي.


تداعيات إطالة مدى الحرب على سوق الطاقة العالمي

تعد منطقة الخليج العربي من أهم المراكز الحيوية لإنتاج وتصدير النفط والغاز في العالم، ولذلك فإن أي صراع عسكري واسع فيها ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية. واستمرار الحرب لفترة طويلة قد يؤدي إلى عدة تداعيات اقتصادية، أبرزها :


-ارتفاع أسعار النفط والغاز نتيجة المخاوف من اضطراب الإمدادات.

-تهديد الملاحة البحرية في الخليج العربي ومضيق هرمز.

-ارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري.

-تأثيرات سلبية على الاقتصاد العالمي.

وبالتالي فإن الحرب لا تشكل أزمة إقليمية فحسب، بل قد تتحول إلى عامل ضغط على الاقتصاد العالمي بأكمله.


الخاتمة

تشير المعطيات الحالية إلى أن الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران، توقفها عند مرحلة مفصلية بين الحسم والاستنزاف فبينما تمتلك الولايات المتحدة وإسرائيل تفوقاً عسكرياً واضحاً، تعتمد إيران على استراتيجية الصمود وتوسيع مسرح العمليات عبر أدوات الحرب غير المتكافئة. وفي مثل هذه الحروب لا يكون الحسم مرتبطاً فقط بالتفوق العسكري، بل بقدرة الأطراف على تحمل كلفة الصراع وإدارته على المدى الطويل. لذلك فإن استمرار العمليات العسكرية قد يدفع الحرب نحو نمط صراع استنزاف متعدد الجبهات يحمل تداعيات تتجاوز حدود الأطراف المتحاربة لتشمل الأمن الإقليمي واستقرار الاقتصاد العالمي.

تعليقات

أحدث أقدم