مقامة هندسة الألفاظ : حين يهدم التاجر ما بناه الأحبار

مشاهدات


صباح الزهيري


أثناء العمل بوزارة الخارجية , والمشاركة في عمل المنظمات والمؤتمرات الدولية , كانت هناك لجان تسمى لجنة الصياغة Drafting Committee - Wording Committee , تتولى اختيار الكلمات المناسبة التي توافق عليها الدول الأعضاء أو المشاركة والتي تمتاز بالرقي في التعبير الأدبي عن الموضوعات المطروحة على المؤتمرين , مهمتها استبدال كلمة بكلمة أو حرف بحرف , تحاشياً لقيام نزاع أو خلاف سببه سوء فهم أو حتى سوء لفظ , وقد تعلمنا من الموظفين المحترفين البيروقراطيين الملتزمين بأصول الوظيفة وأحكامها , والأكثر درايةً بواجباتها , خصوصا ان أي سياسي أو دبلوماسي منهم كان بإمكانه العثور على عبارة أقل حدة في مخاطبة أصدقائه , وكما يقال في الأرياف الحياة كلمتان :


واحدة تحنِّن , واحدة تجنِّن ,

وتعلمنا منهم ان استخدام اللغة في المحافل الدولية ليست مجرد وسيلة لنقل الأفكار, بل هي هندسة معمارية , وأي خلل في هذه الهندسة قد يهدد استقرار البناء كله.


الرئيس الأميركي دونالد ترمب دخل العمل السياسي من خارج الملاك , لم يشغل في حياته منصباً إدارياً أو حكومياً , ومثل كثيرين من رجال الأعمال , حمله النجاح الاقتصادي إلى النجاح السياسي , بل إلى الرئاسة نفسها , جاء إلى السياسة ومعه أسلوبه , وهو يميل إلى الغضب والانفعال بالإضافة إلى حيوية تاريخية , ولم يوفر ترمب أحداً من غضبه , خصوصاً الرؤساء بيل كلينتون وباراك أوباما وجو بايدن , وشملت نوبات الغضب هيلاري كلينتون وزعماء أوروبا والحلف الأطلسي , وبلغ الخروج على الدبلوماسية ذروته عندما وصف حلفاء أميركا بالجبناء , ان أي سياسي أو دبلوماسي من أهل الحرفة كان بإمكانه العثور على عبارة أقل حدة في مخاطبة أصدقائه , ترمب الذي طلعَ علينا من عالمِ الصفقات , رجلٌ لا يؤمنُ بالمنمنمات , لم يتدرج في سُلّم الإدارة , بل قفزَ من عمارةٍ إلى صدارة , دخلَ السياسةَ بلسانِ التُّجار , لا بلسانِ الأحبار , فبينما يهمسُ الدبلوماسيُّ بعبارة تنقصهم الشجاعة مراعاةً للصداقة , يصرخُ هو بكلمة جبناء ليقطعَ كلَّ طاقة , لقد كسرَ الحواجزَ والحدود , وتركَ العالمَ في ترقُّبٍ وجمود , يخشونَ صرخةً منه تُجنِّن , ويبحثونَ في قاموسه عما يُحنِّن , بينما على الطرفِ الآخر , ترى زعيماً صينياً كأنه البحرُ في هدوئه , أو روسياً يبتسمُ من خلفِ أسوارِ حذره , كلاهما يراقبُ الظاهرةَ الفريدة , في ديمقراطيةٍ باتت غريبةً وشريدة , فوا عجباً لزمنٍ صار فيه ميزانُ الدول , معلقاً على كلمةٍ تخرجُ من غيرِ تمهُّل , التحليل السياسي واللغوي لهذا الموضوع يضعنا أمام مواجهة بين عالمين :

عالم الأصول البيروقراطية

وعالم الصدمة الشعبوية ,


إن ما يفعله دونالد ترمب ليس مجرد خشونة في اللفظ , بل هو هدم للمعماريّة اللغوية التي بنيت عليها العلاقات الدولية منذ معاهدة وستفاليا , والصدام هنا ليس شخصياً فقط , بل هو صدام منهجي ,فالمحترف يرى اللغة أداة لأمتصاص الصدمات , في لجان الصياغة الكلمة ليست تعبيراً عن شعور , بل هي قفل ومفتاح قانوني , وعندما يقول الدبلوماسي نحن قلقون , فهو لا يعبر عن حزن , بل يرسل إشارة تحذير مشفرة , اما القادم من الخارج مثل ترمب , يرى أن لغة أهل الحرفة هي نوع من الخداع أو الضعف , بالنسبة لتاجر العقارات , الوضوح هو أقصر طريق للنتيجة , هو يستبدل دبلوماسية الغرف المغلقة بـ دبلوماسية الحشود . هندسة اللفظ تستبدل عبارة الجبناء وتخففها بنقص الشجاعة , وهنا الفرق بين التعبيرين ليس في المعنى , بل في المساحة المتروكة للصلح ,لأن - تنقصهم الشجاعة - تصف حالة مؤقتة أو ظرفية , وتترك للطرف الآخر مخرجاً لاستكمال شجاعته , وهي عبارة تحنّن لأنها تحفظ ماء الوجه , اما كلمة جبناء فهي وصمة أخلاقية ثابتة , وهي عبارة تجنّن لأنها تغلق باب الحوار وتحوله إلى صراع كرامة , وترمب يستخدم اللغة كسلاح هدم , لا كإزميل نحت.


يفرق التراث العربي بين الأديب الوزيرالبيروقراطي المحترف وبين صاحب السيف المندفع , وفي كتاب الوزراء والكتاب للجهشياري , يذكر كيف كان الكُتّاب - الدبلوماسيون القدامى - يُهذبون رسائل القادة المندفعين , ويُحكى أن قائداً أراد إرسال رسالة تهديد خشنة لعدوه , فقام الكاتب بتهذيبها لدرجة أن القائد قال : لقد جعلتَ ضعفي قوة , وحولتَ غضبي إلى وقار , ويصف الجاحظ في البيان والتبيين أثر الكلمة الدبلوماسية بقوله : رُبّ حربٍ جناها لفظ , ورُبّ سلمٍ حققه منطق , وهذا يؤكد أن عالم الأصول هو الذي يحفظ معمارية السلام , وكانت العرب قديماً تمارس دور لجنة الصياغة بالفطرة لتجنب الحروب , وهو ما يسمى بالتلطف في العبارة , فعندما أراد خالد بن صفوان - أحد بلغاء العرب - أن ينتقد كثرة الخدم في مجلس الخليفة المنصور دون أن يغضبه أو يبدو فجاً , لم يقل مجلسك مزدحم ومزعج , بل قال : يا أمير المؤمنين , إنما يشرف المجلس بالخلوة , وتزين الهيبة بالقلة , فاستبدل لفظاً خشناً بلفظٍ يمدح فيه هيبة الملك , فوصلت الرسالة ونفذ الخليفة مراده فوراً. لو رسمنا لوحة للمقارنة بين دبلوماسية زعماء الصين وروسيا وأميركا , لظهر التباين بين - الصمت , الابتسامة , والضجيج - وسوف نحللها كالتالي :


بكين تتسم بالهدوء الفائق , نجد لغة صينية كلاسيكية , تعتمد على النَفَس الطويل والغموض الاستراتيجي , الكلمات عندهم تُقاس بالقرون لا بالأيام , وموسكو تظهرالسرور الخفي , ولغة الكرملين هي لغة المخابرات القديمة , القول شيء والفعل شيء آخر , مع استمتاع بخلط الأوراق ومراقبة ارتباك الخصوم , اما واشنطن - نسخة ترمب - فهي لغة الاندفاع وتلفزيون الواقع حيث القوة تكمن في المفاجأة والقدرة على كسر التابوهات اللفظية. يخشى العالم أزمة فقدان المعايير , وماذا سيقول ترمب وكيف سيقول لأنه جعل الكلمة فعلاً مادياً, ففي السابق , كانت الأساطيل تتحرك بعد فشل الكلمات , مع ترمب الكلمة - أو التغريدة - هي الأسطول نفسه , لقد نقل سوق العقارات الصاخب إلى قاعات المؤتمرات الهادئة , فأصبح الجميع مضطراً لتعلم لغته بدلاً من إجباره على تعلم لغتهم , وعندما تسقط لجان الصياغة , تسقط معها الضمانات التي تمنع الحروب , فالدبلوماسية في النهاية هي فن تأجيل المواجهة عبر تجميل اللغة . في الأمثال العربية, يقولون :

مقتل الرجل بين فكيه , هذا المثل يلخص كيف أن خروج رجل الأعمال أو القائد غير المحترف عن بروتوكول الكلام قد يؤدي إلى كوارث دولية , وما بين الحلم والتهور يقول الأحنف بن قيس سيد الحلم ما نازعني أحد إلا أخذتُ في أحد ثلاث :

إن كان فوقي عرفتُ له قدره , وإن كان دوني أكرمتُ نفسي عنه , وإن كان مثلي تفضلتُ عليه", ان لغة ترمب الشعبوية تلغي هذه المراتب الثلاث , فهي تخاطب الندّ - الحليف - بلسان الإهانة , وهو ما سماه التراث السلاطة , وهي اللسان الذي لا يحكمه عقل إداري , وإن خطورة دبلوماسية الحشود أنها تبني جدرانًا بدلاً من الجسور, فإذا كانت لجان الصياغة هي صمامات الأمان , فإن غيابها يجعل العالم غرفة ضيقة مليئة بالبارود , تنتظر عود ثقاب يخرج من لسانٍ لا يعرف لغة التحنين . فيا للهِ من زمانٍ عُطّلت فيه لجانُ التهذيب , واعتُليت فيه منصاتُ التكذيب , فبينا كان الدبلوماسيُّ يغزلُ من الشوكِ حريراً , ويجعلُ من العسيرِ يسيراً , صار القادمُ من خارج الملاك يرمي بالكلمةِ كأنها جمرة , لا يبالي أأحرقت خيمةً أم دمرة , يقولُ المحترفُ : نحنُ نتحفظ , فيردُّ المندفعُ : أنا أتلفظ , يقولُ البيروقراطيُّ : نحتاجُ وقتاً للتفكير فيصيحُ التاجرُ: هذا تضييعٌ للتدبير , هي حربُ الألفاظِ يا سادة , حيثُ غلبت الفجاجةُ السيادة , وحيثُ صار الصمتُ الروسيُّ مكراً , والهدوءُ الصينيُّ صبراً , والضجيجُ الأمريكيُّ قدراً .

تعليقات

أحدث أقدم