صباح الزهيري
أعرني بياناً فالردى أخرسُ الفمَا ..
ونادى جليلُ الدمعِ أن يتكلما .
بقلوبٍ يعتصرها الألم , وبفخرٍ يليق بمسيرةٍ لم تعرف المساومة , ننعي إليكم رحيل الرمز الوطني والرفيقة المناضلة نوار حلمي - أم كفاح , لقد غادرتنا في يوم المرأة العالمي , وكأنها أرادت أن تختم حياتها بشاهدٍ أخير على نضالها المرير من أجل الكرامة والوطن.
فاجأنا رحيلكِ يا نوارة العراق , فمثلكِ لا يليق به الغياب , وكأنكِ عصية على الفقد , فانتظرينا صبراً , فما نحنُ إلا على أثركِ سائرون , لقد تجلّت فيكِ صفاتٌ صقلها الزمن الصعب , ذلك المختبر الذي كشف صدأ المعادن الزائفة فكنتِ أنتِ الذهب الخالص , عشتِ مخلصةً لرسالتكِ , وتعففتِ في زمنٍ تهافت فيه الكثيرون على الفتات , ذلك الفتات الذي يظلُّ رخيصاً في حسابات المبادئ , وإن تضخمت أرقامه وتعددت أصفاره. وفي الثامن من آذار, حيثُ تُرفعُ الراياتُ وتُصدحُ الحناجرُ بأسماءِ المناضلات , اخترتِ أن تترجّلي بصمتِ الكبار , وكأنَّ القدرَ أرادَ أن يمنحَ هذا اليومَ دمعةً عراقيةً أصيلة , وفصلاً أخيراً في كتابِ العفةِ والشموخ , يا رفيقةَ الدرب , يا من لم يتسلل الصدأُ إلى معدنها , تركتِ خلفكِ إرثاً لا تمحوهُ السنون من الأنفةِ والوقار, وغروباً يليقُ بغريبٍ لم يبع وطناً سكنه ولم يسكنه.
وفي إغفاءتكِ الأخيرة , جسدتِ مشهد الغربة القاسية وغروب الغريب المتعب , وأنتِ التي تصدرتِ مشاهد النضال دوماً, سلاماً يا أم كفاح , فالمناضلون لا يموتون , بل يولدون في ضمير الأجيال مراراً وتكراراً. نعزي أنفسنا , ونعزي جميع القابضين على جمر الوطن , الذين لم تساوم ضمائرهم يوماً , نعزيهم برحيل رمزٍ حقيقي آثر الغياب بصمتٍ على ضجيج البطولات الزائفة.
رحمكِ الله بواسع رحمته , وأسكنكِ فسيح جناته.

إرسال تعليق