ترامب لم يُغلق خيار القوة : لماذا لا تزال واشنطن على عتبة الحرب؟

مشاهدات



د. ثائر العجيلي


المقدمة :

في لحظات التحول الكبرى، لا يُقاس الاستقرار بعدد الاجتماعات الدبلوماسية، بل بعدد الجبهات القابلة للاشتعال.


جنيف قدّمت صورة هادئة للكاميرات، لكن المنطقة من حولها لم تهدأ.


تصريح ترامب بأنه لن يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي لم يكن بياناً تفاوضياً، بل تثبيتاً لخط أحمر. وعندما أضاف في خطاب حالة الاتحاد أن إيران تطوّر برنامجاً صاروخياً قد يطال الأراضي الأميركية مستقبلاً، فإنه نقل المسألة من نزاع إقليمي إلى ملف أمن قومي مباشر. وهنا يتغيّر وزن القرار.


أولاً: المسرح الأوسع: ليست واشنطن وطهران فقط

الشرق الأوسط اليوم ليس ساحة ثنائية.

إسرائيل تنظر إلى اقتران التخصيب العالي ببرنامج صاروخي بعيد المدى كتهديد وجودي. بالنسبة لها، "الانتظار" ليس خياراً مفتوحاً بلا سقف. خطابها الضاغط لا يهدف فقط لدفع الحرب، بل لمنع تثبيت واقع تعتبره خطيراً. 

دول الخليج، التي تستضيف قواعد أميركية أساسية، تجد نفسها في موقع مزدوج : تريد الاستقرار، لكنها تدرك أن أي تصعيد سيجعل أراضيها جزءاً من المعادلة. رفض استخدام القواعد في هجوم مباشر لا يُلغي حقيقة أنها ستبقى ضمن بنك الأهداف في أي رد واسع.

العراق يقف في منطقة أكثر هشاشة. تهديدات فصائل مسلحة مرتبطة بمحور إيران تضع القواعد الأميركية هناك تحت ضغط دائم. وأي تصعيد كبير قد يحوّل الساحة العراقية إلى مسرح اشتباك غير مباشر.

في لبنان، تصريحات حزب الله تعكس جاهزية خطابية عالية. حتى لو لم تُفتح الجبهة فوراً، فإن وجودها في المعادلة يرفع كلفة أي قرار عسكري.

هذه ليست تفاصيل جانبية.إنها شبكة اشتباك إقليمي جاهزة للاهتزاز.


ثانياً: جنيف تحت المجهر العالمي

العالم لا ينظر إلى جنيف بوصفها جولة فنية فقط، بل اختباراً لقدرة القوى الكبرى على إدارة أزمة قد تتجاوز الإقليم. الأسواق لم تُغلق على اطمئنان كامل.أسعار الطاقة بقيت حساسة.  علاوات المخاطر لم تنخفض جذرياً. الأسواق لا تخاف من البيانات الدبلوماسية، بل من احتمال التنفيذ. ولو كان خيار القوة قد أُغلق فعلاً ، لكان الهدوء أوضح.


ثالثا: التخصيب والصواريخ… لماذا لا يُفصلان؟

الجدل حول نسب التخصيب قد يبدو فنياً، لكن في الحساب الأميركي المسألة ليست نسبة رقمية بقدر ما هي اقتراب من العتبة التشغيلية.  إذا اقترنت قدرة تخصيب مرتفعة بإمكانية تصغير رأس حربي، ثم ببرنامج صاروخي متطور قابل للنشر البعيد، فإن المعادلة تنتقل من "قدرة نظرية" إلى "قابلية استراتيجية". وهذا هو الخط الفاصل الحقيقي. ترامب لم يذكر الصواريخ عبثاً. ذكرها لأنه يدرك أن الردع لا يُبنى على مادة نووية فقط، بل على وسيلة إيصال وعقيدة استخدام.


رابعاً: لماذا لا تزال العتبة قائمة؟

لأن الجاهزية لم تُفكك.

لأن الحشد لم يُسحب.

لأن الإحاطات السيادية مستمرة.

ولأن اللاعبين الإقليميين لم يهدأ خطابهم.


التفاوض قائم، لكن الاستعداد قائم أيضاً. والفارق بين "حشد بلا قرار" و"قرار مؤجل" دقيق جداً. الردع الأميركي لا يعمل كاستعراض فارغ . هو يبقي الخيار مفتوحاً حتى تتضح كلفة كل مسار.


خامساً: شرق أوسط 2026: إعادة ضبط أم انفجار؟

الطموح المعلن في واشنطن ليس حرباً مفتوحة، بل شرق أوسط أقل فوضى . لكن تفكيك النفوذ الإيراني المربك للمنطقة، وضبط التخصيب، وتقييد البرنامج الصاروخي، ليست ملفات يمكن حلها ببيان دبلوماسي. إما أن يُعاد ضبط التوازن عبر اتفاق صلب، أو يبقى ميزان الردع هشاً. والهشاشة في بيئة متعددة الجبهات أخطر من المواجهة المباشرة.


الخلاصة :

ترامب لم يُغلق خيار القوة، لا لأن الحرب حتمية، بل لأن شروط نفيها الكامل لم تتحقق بعد. جنيف قد تكون بداية مسار، لكن المنطقة من حولها لا تزال مشحونة. إسرائيل في حالة تأهب، الخليج في حسابات دقيقة، العراق ولبنان على حافة التوتر، والأسواق في مراقبة حذرة . نحن لا نعيش حرباً، لكننا لا نعيش سلاماً مستقراً.  نحن نعيش لحظة ما قبل القرار - والعتبة ما زالت قائمة.


الخاتمة : متى يتحول الاختبار إلى قرار؟

جنيف ليست نهاية المسار، بل لحظة اختبار أخيرة لقدرة الدبلوماسية على كسب الوقت. إذا استطاعت المفاوضات أن تُبطئ التخصيب، وتُخضعه لرقابة صارمة، وتمنع اقتران القدرة النووية بمنظومة إيصال استراتيجية فعالة، فقد يدخل الشرق الأوسط مرحلة "تجميد مدروس" - استقرار هش لكنه قابل للإدارة. أما إذا استمرت القدرة في الاقتراب من العتبة التشغيلية، وتواصل تطور البرنامج الصاروخي بعيد المدى، وبقي النفوذ الإقليمي خارج الضبط، فإن التفاوض سيتحوّل من وسيلة احتواء إلى محطة استنزاف مؤقتة.


الخط الفاصل لن يكون خطاباً سياسياً، ولا بياناً دبلوماسياً، بل لحظة تقدير باردة داخل مؤسسات القرار الأميركي:

هل أصبح الانتظار أكثر خطراً من الفعل؟

عندما تتلاقى قدرة تشغيلية مكتملة مع وسيلة إيصال قابلة للنشر،  وعندما يُقدَّر أن الردع لم يعد كافياً لطمأنة الحلفاء أو ضبط الخصوم ، فإن "خيار القوة" سيتحوّل من احتمال نظري إلى أداة تنفيذ. حينها لن يكون السؤال : لماذا تحركت واشنطن؟ بل:


لماذا ظنّ البعض أن الحشد كان استعراضاً فقط؟

المنطقة اليوم لا تعيش حرباً،

لكنها لا تعيش سلاماً مستقراً. 


هي تعيش في مساحة ضيقة بين اختبار الإرادات وحسمها. وحتى يُحسم أحد المسارين - اتفاق صلب أو قرار صارم -

ستبقى العتبة قائمة،

والاستعداد حقيقياً،

والاحتمال مفتوحاً.

تعليقات

أحدث أقدم