صباح الزهيري
لجيلٍ ذهبي حاصرته الحروب , ولم تحاصره الأفكار .
أعلمُ يقيناً أن جيلنا الذهبي قد شارف على الانقراض , تماماً كما اضمحلت واندرست معايير شرف الخصومة في هذا الزمان , نحن الجيل الذي لم يفكر بغير العطاء , ولم يقبض أحدنا ثمنًا لمواقفه , بل إن أغلبنا دفع حياته وسنين عمره ثمنًا لمبادئه , أما هذا الجيل المتكالب اليوم على الدنيا ومباذلها ومنافعها , فلا شرف للخصومة عنده , ولا عهد له يُرتجى.
ما كنا ندّعي التدين الزائف , بل ربما لم نكن متدينين بالمعنى الشكلي المعاصر , لكن سلوكنا ونضالنا كانا بلا شائبة , عشنا بمناقبية أخلاقية تعجز السطور عن حصرها , نحن الجيل الوسط المظلوم بين جيلين , فعندما كنا صغاراً , غرس المعلمون والمشايخ في نفوسنا أن بر الوالدين يعادل التوحيد , فواظبنا على برهم حتى الرمق الأخير , بنَينا أنفسنا بجدّنا , وزوجنا أنفسنا من عرق جبيننا ونحن لا نزال طلاباً , وبقينا سنداً لآبائنا حتى وافاهم الأجل. ثم دارت الدائرة , فكبر أولادنا ليطالبونا بحقوقهم العصرية من سكن لائق , وأحدث التقنيات , وسيارات فارهة , بل وحتى تكاليف زواجهم وإعالة أسرهم وهم بلا عمل , وحين نسألهم : من علمكم أن هذا واجبنا لا فضلنا ؟
يجيبون : المشايخ ومنظمات المجتمع المدني , فأين حقوقنا نحن الذين ضاع عمرنا بين وجوب البرّ قديماً , وواجب الرعاية حديثاً ؟
لقد حدثني بعض الخلان ممن عجمتهم الأزمان , عن مرارة القرابة وبغي أولي القربى الذين غمطوا الحقوق وقطعوا الأرحام , وقال بلسان المكلوم : أنت تكتب تحت شمس الحقيقة , وهؤلاء يعيشون في ظل الزيف , لا أعرف كنههم ولا أستسيغ فعلهم , فقلت له مطببًا : يا صاحبي , لقد صار الظل للناس سمة , ونحن جيل الخمسينات الذي تآكل بين رحى الحروب وضنك الحصار , حتى لم يبقَ منا إلا ثلةٌ ممن كُتب لهم الانتظار , ورغم المواجع , كنا جيلاً يقظاً , حملنا وعياً في الفكر والسياسة , وسمونا في الفن والأدب , كنا نؤمن بالله فطرةً وعقلاً , ونتخذ من الإٍسلام المتنور فخراً , وفي رحاب الذوق , هذبنا أرواحنا بأصوات أم كلثوم وفيروز وناظم الغزالي , ولم نتذوق الكلمة إلا عند نزار والسياب وشوقي , وفي الفلسفة وعلم الاجتماع , نشدنا العلم عند سقراط وابن خلدون وتفقهنا مع علي الوردي .
أما الهوية , فلم نجدها إلا في عراقنا العظيم ملاذاً من الفتن , كانت هويتنا لغة الضاد وعقيدتنا الإسلام الحق بلا عناد , لم تخدعنا أطروحات الغرب البراقة ولا جمود الشرق , بل أسسنا نهجاً وطنياً وعقلاً سوياً , لله در جيلنا الكادح , كنا نعطي أنفسنا للوطن , واليوم نرى من يبيعون الوطن لأنفسهم بأبخس الأثمان . لقد كانت الصداقة عندنا ميثاقاً غليظاً , نقتسم الرغيف بحب , ونسكن القلوب بصدق , لم نعرف الانتهازية مسلكاً , بل كان الجار أخاً والهمّ وطنياً جامعاً , وتعجبي شديد كيف نحت هذا الجيل من صخر المعاناة تمثالاً للأمل ؟ نحن الذين سرجنا خيول الحرف في ليل الأمية , ورفعنا بيارق الفكر في وجه التبعية , فمن يرانا اليوم يرى شموخ النخيل الذي لا ينحني للرياح , ويستنشق في كلماتنا عبير الكفاح الذي لا يعرف الارتياح .
قبل ان اختم هذه الوثيقة الوجدانية التي اشعر انها تنصف جيلاً كاملاً حُمل ما لا يُطاق , أودُّ أنْ أضيفَ شيئاً , إنَّ التفكّر نعمةٌ وإنْ أورثَ النَّصَب , فَلذةُ المعرفةِ لا تدانيها لذةٌ قط , وهي عزاؤنا في زمنٍ عَزَّ فيه الوفاء .

إرسال تعليق