د. ضرغام الدباغ
الريدرز دايجست (Readers Digest) هي جمعية تأسست في الولايات المتحدة الأمريكية (نيويورك) عام 1922، وصدرت عنها أول مجلة بهذا الاسم في شباط /1922 وكانت منذ البداية تسعى أن يكون لها طابع عالمي، وفعلاً بلغت هذا المستوى، إذ كانت عدد اللغات التي ترجمت إليها المجلة 21 لغة وانتشر توزيعها في العالم لتكون فعلاً أوسع مجلة عالمية، ففي الوطن العربي صدرت المجلة في مصر باللغة العربية بأسم " المختار " عام 1943.
واشتهرت وكان المثقفون العرب يطلبونها، ويقرأها الناس من شتى الاتجاهات. ولكن للأسف أعلنت الشركة الناشرة لهذه المجلة الناجحة إفلاسها عام 2009 وتوقفت عن الصدور . هذه المجلة التي خدمت الثقافة حقاً. شأنها شأن مؤسسات ثقافية عديدة، والأسباب معروفة للمثقفين والمتابعين لشؤون وشجون الثقافة والطباعة والنشر، فقد طغت الثقافة الالكترونية بحسناتها وسيئاتها، وأصبحت الثقافة تخصصية، فلم يعد هناك مصطلح المثقف الموسوعي الشامل، والأسباب معروفة، ولأنتشار الثقافة السطحية والمثيرة غير المفيدة، والتلفاز والفيديو، والأفلام الخليعة، فلم يعد هناك متسع من الوقت لأن يخصص القارئ ساعات طويلة من اليوم للقراءة العميقة بسبب تعدد مشاغل الحياة والتزاماتها، كما لم تعد المساكن والشقق الحديثة تتسع لمكتبات تضم ألاف الكتب. وقد ضحيت شخصياً (وما أصعبها من تضحية) بألاف الكتب (نحو 35 ألف كتاب تبرعت بها لمؤسسة ثقافية) لأن شقتي الصغيرة لا تتسع لهذا العدد، واكتفيت بالاحتفاظ بنحو 1000 كتاب جلها من الموسوعات والقواميس والكتب والمراجع الأساسية. وحلت مكانها الكتب الالكترونية على الأقراص (CD)، أو الحافظات الصغيرة ذات السعة العالية التي تتسع للألآف من الكتب (USB- Flash) ، ومكتبتي الالكترونية اليوم تضم نحو 60 ألف كتاب في حجم حافظة لا يزيد حجمها عن كف اليد. كما لدي كم هائل من المحفوظات الثقافية (لوحات وأرشيف صور، وموسيقى) وهناك أيضاً في عالم الثقافة الالكترونية الكتب الصوتية التي تسمع لمن لا يستطيع القراءة، وصارت دور النشر تتفنن في إصدار الكتب الالكترونية بحيث صارت تضم مقاطع سينمائية، وصوتية، ومكتوبة، ولدي موسوعات على أقراص فيها الغريب والعجيب من مصادر الثقافة.
هذه هي أسباب تراجع الطبعة الورقية للصحافة (جرائد ومجلات) والكتب المطبوعة، وبسبب ذلك تراجعت واختفت صحف ومجلات ورقية عتيدة ولامعة، كانت أساسية في حياة الناس، مقابل طغيان الصحافة والثقافة الالكترونية، ومن تلك دور النشر العملاقة التي خسرتها الثقافة العالمية هي مؤسسة ريدرز دايجست. التي كان من إصداراتها، أنها قامت بوضع القصص القصيرة التي صدرت في أعداد مختلفة جمعتها في كتاب واحد، وكذلك فعلت بصدد الموضوعات التاريخية والأدبية والسياسية وغيرها في مجلدات أنيقة. واقتني شخصياً عدد من هذه الإصدارات الجامعة، التي تجمع القصص، وأخرى تجمع الموضوعات المختلفة التي أمتلك منها مجلدين أحدهما 512 صفحة والآخر 448 صفحة المجموع 960 صفحة من روائع ما يمكن أن يقرأ المرء. يضم المجلد الأول في 448 صفة 91 مقالاً أو بحثاً، بعنوان (كيف حدث حقيقة ؟)، والمجلد الثاني يضم في 512 صفحة 100 بحثاً أو مقالاً بعنوان (أحداث من التاريخ). وقد قمت بترجمة نحو عشرة بحوث من هذه المجلة وجمعتها وغيرها من البحوث في كتاب أسميته (قلب الأشياء) طبع في عمان ووزع في البلاد العربية. ولكن ها هما المجلدان أمامي بما مجموعه 916 صفحة يضم الروائع وأشياء تستحق أن تترجم وأن يقرأها القارئ العربي. ولكن مالعمل، فلو أمضيت ما تبقى من عمري (ولا أتوقع أنه طويل) فلن تكفي لترجمة هذه الروائع، وغيرها كثير في مكتبتي الألمانية.. الحقيقة يصاب المرء بالحيرة ..! فأمامي الآن 191 بحث كلها تستحق الترجمة والقراءة، ولكن لا حياة مع الكسل، والمسألة كلها أقدام وإصرار، وسوف لن أتوقف عن العمل .. تأليفاً وترجمة حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.


إرسال تعليق