بندر الدوشي
شهدت الولايات المتحدة خلال الأشهر الأخيرة تقدماً ملحوظاً في تنفيذ سياسات الهجرة الصارمة في الولاية الثانية لإدارة الرئيس دونالد ترامب، ولا سيما عبر عمليات موجهة لتعزيز أمن الحدود والإنفاذ داخل البلاد. ووفقاً لبيانات مركز بيو للأبحاث حتى يناير 2026، انخفض عدد المهاجرين إلى 51.9 مليون شخص، أي ما يمثل 15.4% من إجمالي سكان البلاد، بعد أن كان قد بلغ ذروته عند 53.3 مليوناً في يناير 2025. هذا التراجع يشير إلى تباطؤ غير مسبوق في صافي الهجرة الدولية؛ إذ قدر مكتب الميزانية في الكونغرس صافي الهجرة بنحو 410 آلاف في عام 2025 و570 ألفاً في عام 2026، وهي أرقام أدنى بكثير من مستويات السنوات السابقة. كما أفادت وزارة الأمن الداخلي في تقريرها السنوي لعام 2025 بأن الإجراءات الصارمة أدت إلى مغادرة نحو 2.5 مليون شخص غير مصرح لهم، ما أسهم في استقرار نمو السكان وتقليل الضغط على الموارد. لكن هذه الإجراءات خلقت مشاكل كبيرة للجمهوريين بسبب المقاومة التي أظهرتها الجماعات التقدمية المدعومة من الديمقراطيين وهي رؤية واضحة وتحرك يثبت دوما أنه ناجح سياسيا. وهناك رأي داخل إدارة ترامب يرى أنه كلما تم ترحيل عدد أكبر من المهاجرين كلما زادت فرص الجمهوريين للفوز بالكونغرس الأمريكي في الانتخابات النصفية المقبلة وحتى الرئاسية. يتزعم هذا الرأي ستيفن ميلر وإيلون ماسك؛ حيث يرى ماسك أن التساهل مع الهجرة غير النظامية لا يمكن فصله عن حسابات انتخابية حزبية، معتبراً أن الحزب الديمقراطي يستفيد سياسياً من بقاء أعداد كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين داخل الولايات المتحدة ولذلك هو يقاتل ويقاوم عمليات الترحيل لهذه الأسباب. ووفقاً لهذا الطرح، فإن بقاء أعداد كبيرة من المهاجرين يسهم في توسيع قواعد التمثيل السكاني في الولايات الزرقاء، مما يمنح الديمقراطيين تفوقاً في التوازنات الانتخابية على المدى الطويل. لذا، يرى هذا التيار أن كل عملية ترحيل إضافية هي بمثابة تعزيز لفرص الجمهوريين في الانتخابات النصفية والرئاسية المقبلة.
الصدام بين الرؤيتين وقع في ولاية مينيسوتا، وخلال الأسابيع الماضية أصبحت الولاية الزرقاء التي تضم مجتمعاً مهاجراً متنوعاً يشمل تجمعات كبيرة من الصوماليين وغيرهم، نقطة محورية للحملات الفيدرالية في مجال الهجرة. ففي ديسمبر 2025، أطلقت وزارة الأمن الداخلي عملية "الاندفاعة الحضرية" في منطقة مينيابوليس، حيث جرى نشر أكثر من 2000 عنصر من إدارة الهجرة والجمارك وحرس الجمارك وحماية الحدود لاستهداف الهجرة غير النظامية والشبكات الإجرامية وغيرهم. وقد أسفرت هذه الزيادة عن مئات الاعتقالات وعمليات الترحيل بهدف إعادة النظام والالتزام بالقوانين الفيدرالية. لكن العملية تحولت إلى كابوس للجمهوريين؛ إذ اندلعت احتجاجات رداً على الوجود الفيدرالي المكثف، ما أدى إلى مواجهات عنيفة وحادثتي إطلاق نار قاتلتين تورط فيهما عناصر أمن الحدود وانتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي. وقد أقر الرئيس ترامب بهذه التوترات، مشيراً في تصريحات علنية إلى أن حوارات جارية مع قادة محليين، بما في ذلك اجتماع بين منسق الحدود توم هومان وحاكم مينيسوتا تيم والز أفضت إلى تعديلات تكتيكية. كما ألمح ترامب إلى تخفيف النهج، مع استعداد بعض العناصر للانسحاب بعد تحقيق الأهداف، في إشارة إلى أسلوب إدارة يستجيب للظروف ولمعاينه الضرر الكبير الذي حصل. وخلال مقابلة أجريت معه على قناة فوكس نيوز، أكد الرئيس دونالد ترامب أن قائد دوريات الحدود الأمريكية، (USBP) بوفينو، سيغادر مينيابوليس برفقة عدد من الضباط، ليحل محله توم هومان، مسؤول ملف الحدود في البيت الأبيض. وذكر الرئيس ترامب أن بوفينو "جيد جدًا" ولكنه "شخصية جريئة نوعًا ما"، مضيفًا أن هذا ربما لم يكن مناسبًا في مينيابوليس . وتسببت هذه الأحداث في مينيسوتا بحالة من القلق داخل الحزب الجمهوري في واشنطن، حيث هناك جماعات ترى أن البيت الأبيض أصبح مهووسًا ببعض الأولويات التي لم تعد تُفيد الجمهوريين بشيء. وتُظهر استطلاعات الرأي المتكررة تشاؤم الأمريكيين حيال الاقتصاد، ورغبتهم في أن تُركز إدارة ترامب على النمو والأسعار والقدرة على تحمل التكاليف وخلق فرص العمل. لكن إدارة ترامب، ما زالت تُصرّ على التمسك بقضاياها المُفضلة وهي الهجرة والتعريفات الجمركية. واستغلالاً لما حدث، أدان حكام ديمقراطيون الاندفاعة الفيدرالية واعتبروها مفرطة في الصرامة، مشيرين إلى أنها تقوض الثقة المجتمعية في أجهزة الأمن الفيدرالية. وجه الديمقراطيون، بمن في ذلك قادة في مجلس الشيوخ مثل تشاك شومر وممثلو ولاية مينيسوتا مثل النائبة إلهان عمر والحاكم تيم والز، انتقادات لاذعة للعمليات الفيدرالية المتعلقة بالهجرة في مينيسوتا، واصفين إياها بأنها غير قانونية، وعدوانية بشكل مفرط، وذات دوافع سياسية؛ خاصة بعد حوادث إطلاق النار المميتة التي تورط فيها عملاء (ICE) وأسفرت عن مقتل أفراد مثل "أليكس بريتي". ودعوا إلى عزل وزيرة الأمن الداخلي وستيفن ميلر.
ويرى هؤلاء أن هذا التصعيد أدى إلى اعتقال مواطنين أمريكيين، ووقوع انتهاكات في أماكن حساسة مثل المدارس، والمستشفيات، واستخدام القوة غير المبررة، مما أدى إلى رفع دعاوى قضائية ومطالبات بوضع قيود على تكتيكات وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE). وهدد الديمقراطيون في مجلس الشيوخ بعرقلة مشاريع قوانين تمويل وزارة الأمن الداخلي (DHS) ما لم يتم إجراء تغييرات للحد من سلطات إدارة الهجرة (ICE). ويصور الديمقراطيون هذا الموقف كوقفة ضد تجاوز السلطة، وليس رغبة في قطع التمويل عن جهات إنفاذ القانون بشكل عام، وهو موقف متقدم بعد أن تعلموا من تكلفة دعوات إلغاء دعم الشرطة في الانتخابات الماضية. تظهر الاستطلاعات تحولاً سلبياً في الرأي العام تجاه عمليات إدارة الهجرة؛ وفي البداية أظهرت استطلاعات عام 2025 (مثل هارفارد/هاريس) دعماً أولياً لترحيل جميع المهاجرين غير الشرعيين بنسبة 56%، لكن هذا التأييد تراجع بشكل ملحوظ بعد العمليات الأخيرة. وتؤكد مجمل الأحداث الراهنة، وما تشهده ولاية مينيسوتا تحديداً، أن ملفي الاقتصاد والهجرة يمثلان الركيزتين الأساسيتين اللتين يمكن أن تحددا مصير الحزب الممسك بالسلطة، سواءً بالنفع أو الضرر. فبسبب الاحتجاجات المتصاعدة والمقاومة المنظمة للأجهزة الأمنية من قِبل جهات فاعلة محسوبة على الديمقراطيين وهي استراتيجية وُصفت بالذكاء الشديد، تحول ملف الهجرة إلى ساحة اشتباك سياسي وفكري. هذا الصدام يعكس انقساماً حاداً حول تصور الدولة لوظائفها، وحدود سلطتها السيادية وهو أمر حساس في أميركا. وعلى الرغم من أن الأرقام الرسمية تشير إلى تراجع كبير في الهجرة غير النظامية، وتقدماً ملحوظاً في أدوات الترحيل والمنع خلال الولاية الثانية لإدارة ترامب، إلا أن التجربة الميدانية في مينيسوتا كشفت عن كلفة سياسية ومجتمعية باهظة على إدارة ترامب. وتتجلى هذه الكلفة بوضوح عندما يتصادم القرار الفيدرالي مع سلطات محلية تتبنى توجهات أيديولوجية مغايرة؛ وهو وضع يصب، بطبيعة الحال، في مصلحة الديمقراطيين انتخابياً. لقد خسرت إدارة ترامب معركة مينيابوليس إعلامياً وسياسياً؛ حيث نجح الديمقراطيون عقب مقتل اثنين من المحتجين في تصوير الإدارة الفيدرالية على أنها تجلب الفوضى إلى الشوارع والمدارس والمستشفيات العامة، وأنها تطلق النار على المحتجين العُزّل دون حسيب أو رقيب. ويبدو أن الرئيس ترامب قد أدرك أخيراً أبعاد الفخ الذي نصبه له خصومه؛ إذ أعلن ليلة البارحة عن انسحابه من المواجهة المباشرة في الولاية عبر منشور على منصة "تروث سوشيال" قائلًا: "لقد أصدرت تعليماتي لوزيرة الأمن الداخلي، كريستي نويم، بأننا لن نشارك تحت أي ظرف من الظروف في مختلف المدن الديمقراطية سيئة الإدارة فيما يتعلق باحتجاجاتهم أو أعمال الشغب الخاصة بهم، حتى يطلبوا منا المساعدة . ومع ذلك، سنقوم بحراسة، وبقوة شديدة، أي وكافة المباني الفيدرالية التي تتعرض للهجوم من قبل هؤلاء المجانين والمحرضين والمتمردين ذوي الأجور المرتفعة". يؤشر هذا التحول الجذري إلى رغبة الإدارة في تجنب الاستدراج إلى الفخ الديمقراطي ، وتفضيل العودة للتركيز على المنجزات الكبرى التي حققتها الإدارة، بدلاً من الاستمرار في الانغماس بمواجهات شوارع مكلفة سياسياً، من شأنها أن تشوه صورة الحزب الجمهوري في عام انتخابي حاسم.

إرسال تعليق