مقامة تأبين لليقظة... إهداء إلى صاحبة نعاس

مشاهدات


صباح الزهيري 


كتبت على صفحتها : لحظات فرح احببت ان اشارككم اياها لانكم في القلب ,  صدر الكتاب النقدي / حرائق الروح على أرض الغياب  , للناقد الكبير د. ظاهر شوكت والذي يؤطر مواطن الابداع في ديواني الشعري / أشتري نعاساً  , ان يكون هناك كتاب نقدي مختص بديوان شعري هو حلم كبير يتحقق للشاعر , وفي طور المباركة , أحببت أن أهديها هذه المقامة :


يعرفون الشعر أنه : متعةُ الأديب , وذوقُ البلاغيّ , وحُجَّةُ المُفسِّر , وسَنَدُ الأصوليّ , ودليلُ الفقيه , وشاهدُ النحويّ , وميزانُ العروضيّ , ووثيقة المؤرِّخ , وخارِطةُ الجغرافيّ , ثم هو من قبلُ ومِن بعدُ : بَوْحُ العاشق , ونَفْثةُ المصدُور, وحنين الغريب , وأنينُ الفاقد , وبهجةُ الواجد , ومَرْثيةُ العزيز, وآهةُ المُلْتاع , وتجربة الحكيم , أستودعه العربيُّ أسرارَ حياته , واستراح إليه , فأفضى إليه بموَاجعه , وبَثَّهُ أشواقه , وقيَّد به المآثِر, وحَفِظَ به الأنساب , واستنفر به العزائم , واستنهض الهمم , وسَجَّل به العادات والتقاليد , وذَكَرَ الأيّام , وقد صحبه في غُدوّهِ ورَواحه , فحدا به رَكُوبَتَه , وأنَسَ به حَلُوبَتَه , ووصف به سماءَه وأرضَه , ونباتَه ونخيلَه , وسُهولَه ووِديانه وجِبالَه , ومياهَه وحيوانَه , أليس هو ديوان العرب ؟


ينقد المندلاوي الجميل شاعرة عاشت أعمق مما ينبغي , وبكت اكثر مما ينبغي , واحست بالنملة التي تسعى اعمق مما ينبغي , وهي تحمل لها قبضة يد من السكر لجحرها , كتبت وشربت نسغ الحبر الذي تغاوى على السطر اكثر مما ينبغي  , حملت هموم الفقراء والمارّة اكثر مما ينبغي , خيالية حالمة تدور حول هالات الضياء بفردة جورب واحدة , وتقيم على حافة جمال الروح , لتلتقط من المفردات اليومية شذرات الحياة , توشيها بشراراتٍ فكرية وشعورية , تكتب عن الذات لتحمل همّ الجماعة , وتبوح لتشير إلى ما وراء القول . عندما تقرأها , تشعر أنك على وشك مصافحة الجنون الذي ضرب فان جوخ  فأبدع كل هذا الجمال , حيث النجوم وقد تحولت إلى شموس صفراء متوهجة , تغزو سماء زرقاء داكنة , ورغم دوامات الشموس الكثيرة المتوهجة , يظلُّ الليلُ ليلا والظلامُ ظلامًا , ويظلُّ الحزنُ حزنًا , يُطلُّ عليه الفرحُ كومضات مشرقة خاطفة , تمامًا مثلما يظلُّ الخيالُ أرجوحةً ترفعنا للسماء تارةً , وتحطُّ بنا على الأرض تارة , الخيال  حين يكون آخر حصون الروح وطوق النجاة من الغرق في بحر الحَزن .


قول محمود درويش :  

عندما تفرغ أكياس الطحينِ , 

يُصْبِحُ البدرُ رغيفاً في عيوني , 


لم تكن قصائدها فصحى النحاة الجامدة , بل فصحى مغسولة بماء ديالى العسلي , منقوعة بعرق الجوري , مفردة نازلة من السطح العراقي الصلب , قادرة على أن تمشي في الأزقة وتُسمع في المقاهي وتُحسّ في القلوب , والمفردات كأنها مزجت النار بالماء , لكنها خرجت متجانسة , محمّلة بمرارة الواقع , وسخرية القدر, وغضبها الذي يرى وطنًا يُنهش أمامها , فيستحيل شعرها صيحة احتجاج , وصرخة شجاعة لا تُخاتل ولا تهادن . لدور الناقد المندلاوي الجميل في اكتشاف هذا الذكاء والجوهر, ولنقد النقد أقول : 


تقول الكاتبة الفرنسية فرانسواز ساغان تحت عنوان , كلمات يجب أن تحفظها كل امرأة  :  


من يملكن الجمال فقط , يملكن شيئًا مؤقتًا , أما من يملكن الذكاء , فهنّ جميلات إلى الأبد  , والذكاء هو فن الاختفاء , والابتعاد , وصنع المسافة , وما من امرأة تصبح جذابة بسبب مظهرها فقط , الجاذبية الحقيقية تأتي من الأسلوب , من الذكاء , من الحرية, وكأن نهرديالى قد تآمر مع الكلمات لينبت شاعرةً تحمل في صوتها وهج الأرض ودهشة الطفولة , أن الشعر حين يخرج من القلب , يدخل كل القلوب.


تعليقات

أحدث أقدم