صباح الزهيري
يُقال إن الكتاب الناجح لا يكتفي بسرد الماضي , بل يضيء الطريق إلى المستقبل , وفي خضم رحلتنا الطويلة عبر تاريخ البشرية , التي تكتنز الصراعات والآلام , يأتي كتاب قصة البشرية من العدم إلى العدمية لهندريك ويليم فان لون ليقدم لنا خلاصة مضيئة , على الرغم من كل ما وثّقه من أحداث , يختتم فان لون رؤيته بنبرة أمل عميقة , مؤكداً أن العالم بحاجة ماسة إلى رجال يتولون القيادة الجديدة , وتكون لديهم الشجاعة لتحقيق أهداف الإنسانية , إنها دعوة للبحث عن قائد , لا كمنقذ أسطوري , بل كشخص يدرك أننا في بداية الرحلة , ويحمل على عاتقه إرثاً يمثل كل العصور ليقود سفينة البشرية بأمان إلى الميناء .
لكن هذه الرؤية المستقبلية المتفائلة تواجهها حقائق مريرة من الماضي , لطالما كانت الكتب والمخطوطات جزءًا لا يتجزأ من غنائم الحروب , فبعضها يُحرق , وبعضها يُحتفظ به لأسباب تتعلق بالمنتصر نفسه , تُردد الروايات القديمة حكاية إحراق مكتبة الإسكندرية , وفي تراثنا العربي الإسلامي , نجد حكاية مشابهة , فقد ذكر ابن خلدون في مقدمته أن كتب الفرس أُلقيت في الماء أو النار بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب , مبررًا ذلك بالقول : فإن يكن ما فيها هدى , فقد هدانا الله بأهدى منه , وإن يكن ضلالاً , فقد كفانا الله , هذه الحادثة , سواء كانت حقيقة تاريخية أو رواية , تعكس منظورًا خطيرًا كان سائدًا في عصور معينة : أن المعرفة يمكن أن تكون جريمة , والفكر تهمة .
إن الكتب ليست مجرد أوراق , بل هي أرواحٌ نائمة على الرفوف , تنتظر يدًا حنونة توقظها , هي الفلسفة التي تجاور علم الاجتماع , والفكر الحي الذي يعانق اللاهوت الميت, الكتب هي البشر أنفسهم , إنها سقراط الذي يجعلك تشعر أنك أغبى لأنك لم تعد تعرف إلا القليل , وديستويفسكي الذي يجعلك تعتقد أنك أفهم شخص في العالم , هي رسائل أفلاطون , وبولغاكوف , وعبد الرحمن منيف , التي تناجيك لتتحدث معها وتواسيها , وتذهب معها في رحلتها الطويلة نحو الحياة , إن كل كتاب يستحضر بديله , في صراع دائم كصراع الإنسان مع ذاته والآخر , هذا الصراع لا يقتصر على صفحات التاريخ , بل يتجسد في اللحظة الراهنة , ففي زمن أصبح فيه الكتاب جريمة والفكر تهمة , يبرز صمود أولئك الذين نذروا أنفسهم لحراسة الحروف. أما الكتبيون حراس الحقيقة في زمن العتمة , فنقول تحية لكل من قاوم العتمة بورق مستنسخ وحبر ممنوع , هؤلاء الكتبيون لم يكونوا مجرد باعة , بل كانوا حراسًا للمعرفة , وسدنة للحقيقة , وأبطالًا مجهولين في معركة الصمت , ومثلما سخر العالم الأندلسي ابن حزم من أعدائه الذين حرقوا كتبه قائلاً : فإن تحرقوا القرطاسَ لا تحرقوا الذي تضَمَّنَهُ القرطاسُ بل هو في صَدرِي , فإن الأفكار تبقى عصيّة على القمع , خالدة في العقول , متجددة في الأرواح , وقد تصادر الكتب , وقد تُحرق الأوراق , لكن الأفكار ستبقى تنتظر من يكتشفها , وسيظل الكتاب دائمًا نبراسًا يهتدي به من أصرّ على النور , حتى لو كان ثمن ذلك حريته , فبعد كل هذه الرحلة , من حرق الكتب إلى صراع الأفكار , ستدرك أنك لم تعد كما كنت , ستشعر أنك فهمت طبيعة الإنسان , وستبدأ في حمل دفتر للملاحظات , وستعتزل الضوضاء , وستعيش في عالمك الخاص , وفي النهاية , بعد كل ما قرأته , ستدرك أن الوقت قد حان لتبدأ الكتابة.

إرسال تعليق