د.سعد الدوري
وإِنْ قَالت الناس عَن مرءٍ أبيض القَلب !
مَا يَبيُّضُ قَلباً مَملُوءاً بِالدماء ..
يَنبَّض فِي عُتمَّة ظَلماء .!
**
لِقلبِّ المُؤمِن رَغاء ـ كرَغَوة البحر ..
كَالثلج بيضَاءٌ ..
ورَغوّة القَلب -
عِندَّ المؤمنين اللُطفاء -
الأخلاق .. وصِدقَ اللِسان ..
والطِيب وَالخيرٍ ..
والحَلّا وَالوَفاءِ والعَطاءِ ..
****
ما كَانَّ لِعُود الشَجر في ظَلماء - بَياضاً ..
لَولا سَجىٰ تَحتَّ لُحاءْ ..
وما طَحِلَّ اللؤلؤ لؤلؤاً .. لولا ظُلمة الغِطاء ..
يالَها مِن مُعجَزات رَبِّي .. جَعلَّ القَلب والعُود واللؤلؤ يَتسامىٰ بَياضاً تَحتَ قُباء (1) ..
سُبحانّك رَبِّي جَعلتَ فِي الظَلماء قُدرّة تَعلُّو الضَياء ..
ما عَاش إمَرءٌ مُستَحِيِّياً ،
إلا وَنَال بينَّ العِباد حُبّاً وَ رُقاء ..
****
يُذكَر أهل الحَياء ..
كالقِمَّم الشَماء ..
ضَيئهُم بَين القَوم
كَشُعلةٌ تَتَوَهج مِن عود الغَضاء (2) ..
****
ماخَاب ظنَّ إمرء بِرحمة ربِّهِ ..
طالما تمَسّك بِدِرعِ الحَياء ..
شكورٌ فِي السَراء والضَراء ..
يَستَحيِّي البارِئ ..
يَستعيذ مِن فِعال الفُسَّاق ..
وأهل
البَغي والفَحشاء ..
ليسِ بِخُوان أمانّة .. ولا شَعب وأوطان ..
وَطنيّاً يَعيش ..
مُخلِصاً ..
يَمُوتُ مُستبسِّلاً ..
عَزيزاً صاحِب كَرامة ..
لا يأسف - إنْ فاتَهُ قِطارِ الدُنيا ..
يُؤمِن جَنات الخُلُود لَه نِعمَّ البَقاء ..
****
كتبّ الله الإعتصامُ بالحَياء شُعبّة مِن شُعَب الإيمان ..
فطُوبىٰ (لِسَيِّدنا عُثمان) الذّي تَزيّن بِالعِفّة بِنقاء ..
شَهِدَّ لَهْ ، رَسول الله .. فإستحتْ مِنهُ مَلائكة السَماءِ ..
****
يُدان وَيُذَّم أهل الخَصاصَّة والخَساسَّة بِالقَماء ..
وَيُنعَتُوا بالعُرِيِّ والسُفَهاء ..
فَلا خَيرٌ في أُمةٍ ذَهب عَنها لُحَاءَ الحَياء ..
إياكَ - وَإمرء لا يَستَحِّي - فَهُو في الرَذائل مَع الشيطان سَواء ..
مَنْ فَقِّد الحَياء ..
فَقدَّ خَشيّة الله ..
ولا يَخشىٰ عبداً المَعاصي إن نَزَّعَ ثَوب الحَياء !
يَعبَّث كما طاب لَهْ ..
وَكمَا شَاء ..
****
َتَبقىٰ عَورات المَرء شَرفاً ..
طَالما بَقيَّت مَستُورَّةً بِعفّتها تَحت كَساء !
وإنْ كُشفَّتْ ..
فلا يبقىٰ فُرقاً بينّهُ وبينَّ صورة المِعزاء ..
****
إنْ هانَّ السُفهاء حُكماء وكُرمَّاء قَومٍ ..
فَإحذَّروا - زَلماء(3) نَذِير
وَيلٍ - قََد تَدلىٰ مِن بَلاءِ ..
تَحيّا الأُممُ ذات الحَياء صَلداء ..
إن زَالَّ عَنهّا -
تَفَتَّفتَتْ كالصَخرّة الهَاوِية مِن قِمَّمٍ عَلياء ..
تَذوِّي كما تَذوِّي الزَنابق فَوقَ التُرابِ ..
لا يهُّزُ الموت مَنْ إستحا لِوازعٍ !
ومَنْ لَا يَستحٌّي يَمُوت مُرتجِفاً كَالجُبناء ..
****
فَبِدء الدَاء ..
عِند ضَياع الحَياء ..
يُضييَّع - الإيمان والتَقدِّير .. والإجلال والبَهاء ..
يَحكُم الحمقىٰ والرُويبضاء والخُبثاء ..
ينسَلون مِن مِخارِج كَالخَثاء (4) ..
يَعمُّ بينَّ الناس القَساء والإرتشاء ..
تُشنَّق العَدالة ..
وتُعدَّم البَرّكة ..
وَيَحِّل الجَشَّع والغَلاء ..
وأَول دَاء اللاحَياء في الأمم التعاسّة وَالشَقاء ..
-------------
معاني مفردات -
(1) القُباء - له عِدة مَعاني .. جَمعهُ - أقبية .. وما يهُم المعنىٰ هنا من معانيه - البناء المحكم تحت الأرض كمكان غير منظور يؤمن لِحفظ الأشياء والأغراض وقد تكون من بينها أشياء ثَمينة .. وكذلك يعنّي الغِطاء الثخين - الذي يُلبس فوق رداء آخر كما هي الجُبّة والمعطف ..
(2) الغَضاء - صنفٌ من الشجيرات الصحراوية معمر دائمة الخضرة .. تَتميّز بِصلابة خَشبِّها وثُقل جِذعِها، وتشتهّر بِقوة شعلتها ودوام جمِرتها في حرارة عالية لمدة طويلة .
(3) الزَلماء -القطعة المَقطُوعة مِن أُذن العَنزَّة .. أو قِطعة لَحم أوجِلد مُتدلية ، وَهي مفردة لِكُل صِفة شبيهة ..
(4) الخثاء - البقرُ والفيلُ و نحوُهما إن خَثْيًا - أي ربما مافي لكنهما من الرَّوْثِ .. وتصريفات الخَثي أَخْثَى وَخَثْوُ والخَثْواءُ .. والخَثْوةُ الخِثْي ..

إرسال تعليق