مشاهدات
صباح الزهيري
كشف المستور, خلال الأيام القلائل الماضية , وبينما كان التأريخ يقلب صفحاته المنسية , رفع الأمريكيون السرية عن أكثر من مليون وثيقة بخصوص احتلال العراق , هذه الخطوة التي طال انتظارها , لم تكن مجرد حبر على ورق , بل كانت ضوءاً ساطعاً كشف زوايا غائبة , وحقائق مرّة تتعلق بوجوهٍ لبست أقنعة الزيف طويلاً , ففي ثنايا تلك الأوراق , برز مصطلحٌ صادم أطلقته المخابرات الأمريكية على أعوانها :
الجرذان القذرة ,
إن هذا التعبير ليس وصفاً عابراً , بل هو وصمة عار ستلاحق كل من باع ترابه بثمن بخس , وارتضى لنفسه أن يكون أداةً طيعة في يد المحتل , إنه يلخص النظرة الدونية التي نظر بها الغريب إلى القريب الخائن ,فهم في نظره لم يكونوا شركاء , بل مجرد أدوات استهلاك , يُرمى بها في سلة المهملات بعد انقضاء الحاجة. تكشف الوثائق عما سُمي بخلايا الجرذان القذرة , وهو اللقب الذي أُطلق على أحزابٍ وشخصيات مهدت الطريق للمحتل , وتعاونت مع بريمر ومجلسه المشؤوم , ورغم أن البعض يرى العدو في الأجنبي الطامع فحسب , إلا أن شر البلاء يكمن فيمن يحمل جنسية الوطن ويتنفس هواءه , ثم يرتضي أن يكون حذاءً للاحتلال , مرتكباً كل شنيعة وعار خدمةً لأسياده , هؤلاء الذين تربوا على الذيلية , العراق بريء منهم , وسيأتي يومٌ يقتص فيه الشعب من كل يدٍ امتدت لتصافح الغازي على جراح الوطن.
نموذج وثيقة مترجمة : بمقتضى مذكرة رئيس المؤتمر الوطني العراقي احمد جلبي C1372 ولقاء ممثله في الأردن / عمان قاسم الراوي بممثلنا ستيفن جوب AM :11.45-2-12-2002 وضمن هذا الوقت نعهد بتزويد خلايا الجرذان القذرة في مدن وقصبات غرب الأنبار باجهزة الاتصال الفضائي لتشكله أهمية للمرحلة القادمة وضمانة المؤتمر الوطني العراقي عن مكتب حاجم حسني / حزب الإسلامي السني ومكتب نهرو كاسنازاني وبالتسلسل ووفق ارقام ومستندات الاجهزة ومواقعها وأسماء المعتمدين وفق الصيغة العراقية المتبعة مدراء خلايا الجرذان القذرة في المناطق المؤشرة في الخرائط
1-محمد حسين علي حسين جوخيفي / مدينة حديثة وتوابعها / العدد 27 يبدأ بالكود 700897652315-700897652342
2-خالد حسان عثمان محمود الراوي / مدينة راوه وعانه وتوابعها / العدد 49 يبدأ بالكود 70089762343 -70089762392
3- حامد محمد مريد حرداني كاسنازاني / مدينة القائم وتوابعها / العدد 33 يبدأ بالكود .
هذه الواقعة الموثقة تحمل نفساً تاريخياً وسياسياً ثقيلاً , وقد قمت بإعادة ترتيبها وصياغتها لتأخذ شكل المقامة التي تشدو بها الربابة بكل معناها الأخلاقي والتاريخي.
المقامةُ الجُرذانية
حدثنا الحارث بن همام قال :
لما انقشعت غيومُ الكتمان , وانكشفت أسرارُ الزمان , وباحَ المحتلُّ بما كتمه من خزيٍ وهوان , خرجت للعلنِ وثائقُ تُخزي الوجوه , وتفضحُ من باعوا العِرضَ والمنشأ والمنبوه , فإذا بالعدوِّ الذي استنصروا به , واتكأوا على رُكبه , قد أودع في سجلاته ما يندى له الجبين , ويجعلُ الخائنَ في أسفلِ السافلين , لقد سمّاهم في قراطيسه : الجرذان القذرة يا له من اسمٍ وافقَ مُسماه , ووصفٍ أحاطَ بمن غدرَ حماه , لم يَرَ فيهم حليفاً يُكرم , ولا صديقاً يُعظم , بل رآهم قوارضَ في ليلِ الاحتلال , تُباع وتُشترى بأبخسِ الأموال , سكنوا الأقبية , ولبسوا التبعية , فكانوا كالجُرذِ لا يظهرُ إلا في الظلام , ولا يقتاتُ إلا على حُطامِ الآثام . ثم استرسل فقال : وتأملْ في خلايا تلك الجرذان , وكيف تقاسمت الأدوارَ في الغدرِ والبهتان , فمنهم من تزيّا بزيِّ السياسة , ومنهم من تدثرَ بعباءةِ القداسة , والكلُّ في قائمة بريمر سواء , عَبيدٌ للأجنبيِّ وذُنابى للأعداء , ظنوا أنهم بمصافحةِ الغازي يبلغون الذُرى , وما علموا أنهم صاروا أحذيةً يطأُ بها المحتلُّ الثرى , فيا ويحَ من يحملُ هويةَ العراقِ في جيبه , ويحملُ غدرَ العراقِ في قلبه , هؤلاء هم الداءُ العُضال , والسمُّ الزُعافُ الذي فاقَ كيدَ الاحتلال , فالمحتلُّ عدوٌّ بانتْ عداوته , أما الخائنُ فخنجرٌ في الظهرِ استترتْ طعنته , وأنشد يقول : باعوا الضميرَ بملءِ الكفِّ من ورقِ واستبدلوا العزَّ بالأغلالِ والحلقِ , سمّاهمُ الغربُ جُرذاناً وما كذبوا فالجُرذُ يفسدُ ما في الدارِ من غَلَقِ , عارٌ سيحيا إذا ما غُيِّبوا ورداً ويُحشرون مع الأوغادِ في الحَرَقِ . وأضاف الحارث بن همام , وهو يغالبُ غُصصَ الكلام , قال : يا أهلَ المروءةِ والبيان , اسمعوا ما لم تأتِ بهِ الأوائلُ في قديمِ الأزمان , لقد نطقَ الصمتُ المطبق , وانفتحَ القبوُ المغلَق , وخرجتْ من دهاليزِ الغزاةِ مليونُ نكبةٍ مرقومة , ووثيقةٍ بالخزيِ مختومة , كأنَّ الزمانَ أرادَ أن يغسلَ وجهَ الحقيقة , فألقى بمستورِ القومِ في عرضِ الطريقِ ليعرفه الصديقُ والعدوُّ على حدٍّ سواء , وعجباً ثم عجباً , لم يكتفِ الغازي بسلبِ الديار , بل سلبَ العميلَ حتى بقايا الوقار, لقد جردوا مَن ناصرهم من ألقابِ السيادة والمعالي وألبسوهم ثوبَ الجرذان القذرة في الخفاءِ والخيالي , فوا أسفاه على من رضيَ أن يكون جُرذاً في سِردابِ بريمر , يقتاتُ على فضلاتِ الأجنبي , ويتحسسُ طريقهُ بالخيانةِ والريب .
لقد كشفتِ الأوراقُ أنَّ المحتلَّ لم يحترمْ خادمه , بل كان يزدري قذارته وهو يمنحهُ صِلةَ الوصل , رآهم كائناتٍ لا تعيشُ إلا في العفونة , ولا تبرزُ إلا حين تهدمُ البيوتُ فوق رؤوسِ أهلها , فما أقسى أن يبيعَ المرءُ وطنهُ ليُسجَّلَ في أرشيفِ عدوِّه بلقبٍ يستحي منه حتى الحيوان , في كشف الخلايا وأرقام الهوان , وتأملْ في هذا الترتيبِ العجيب , والترقيمِ المريب , لم تكن الخيانةُ عفوية , بل كانت خلايا هندسية , تُدارُ بالأزرارِ والشيفرات , وتُقادُ بالكوداتِ والفضائيات , رأينا في تلك القوائمِ أسماءً مَنْ نبتَ لحمهم من ترابِ الأنبار والقائم وحديثة, فإذا بهم يحوّلون تلكَ القلاعَ الحصينة إلى مسارحَ لجُرذانهم , وزعوا أجهزةَ الثريا وكأنها هدايا , وما هي إلا حبالُ مشانقَ للأمةِ والضحايا , أسماءٌ كأنها من صُلبِ الدار, ولكنَّ فعلها فعلُ النارِ في الهشيم , فلانٌ برقمِ كذا , وعلانٌ بكودِ كذا , تحولَ الإنسانُ المكرمُ إلى سِعرٍ في فاتورة , وخادمٍ في مقصورة , ورقمٍ في إضبارةِ المخابرات . يا سادة , إنَّ المحتلَّ عابرٌ , مهما طالَ بقاؤه فإنه مُغادر , ولكنَّ الفاجعةَ الكبرى , والمصيبةَ الأدهى , هي في أبناءِ الجلدة الذين ارتضوا أن يكونوا أحذيةً للأجنبيِّ يطأُ بها طهرَ العراق , هؤلاء الذين نموا في كنفِ الخيانة , وتربوا على مائدةِ الذل , لا تجري في عروقهم غيرة , ولا يرفُّ لهم جفنٌ على فاجعة , هم الذيولُ التي تتحركُ بإشارةِ السيد , والعبيدُ الذين يعشقون سياطَ الجلاد طالما بقيتْ بطونهم ملأى بمالِ السحت.
الخاتمة والوعيد : ألا إنَّ التاريخَ ديوانٌ لا ينسى , وميزانٌ لا يطغى , فاليومَ سقطتِ الأقنعةُ المستعارة , وبانتِ الوجوهُ الغدارة , وعلمَ القاصي والداني أنَّ الخيانةَ لا تورثُ إلا الندم , وأنَّ الجرذان مهما كبُرتْ , تظلُّ تحت أقدامِ الأمم , فلعنةُ اللهِ والناسِ أجمعين , على من غدرَ بالأرضِ والعِرضِ والدين , وسيعلمُ الذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون , إنَّ رفعَ السريةِ عن هذه الوثائقِ لم يكن إلا يومَ القيامةِ المصغر لهؤلاءِ الأقزام , لقد زالتِ الأقنعةُ وبقيتِ القُبح , وانتهى الزيفُ وبقيَ التاريخُ شاهداً عدلاً, سيكتبُ التاريخُ بمدادٍ من قـطران : هنا مرَّ الخونة , وهنا سكنتِ الجرذان , أما العراقُ , فسيظلُّ كالنخلةِ السامقة , لا تضرُّها القوارضُ مهما حاولتْ نخرَ الجذع , وسيأتي يومٌ يلفظُ فيه الشعبُ كلَّ خبيث , ويطهرُ أرضَهُ من دنسِ العمالة , فأما الزبدُ فيذهبُ جفاءً , وأما ما ينفعُ الناسَ فيمكثُ في الأرض . ثم تأتي وقفة الأجيال , وقراءةُ الوارثِ لغدرِ المورث : حيث استأنف الحارث بن همام قوله وهو يزفر زفرةً كادت تُحرِقُ أطرافَ القِرطاس : تأملوا يا أولي النهى , كيف ستقفُ الأجيالُ القابلة , أمام هذه الصدمةِ القاتلة ؟ أيُّ وجهٍ سيلقى به الحفيدُ رفاقَه , وقد قُرئ اسمُ جدِّه في قوائمِ الجرذان سِياقَه ؟ تخيلوا طالباً في مدرسةِ التاريخ , يقلبُ صفحاتِ العراقِ الجريح , فيقعُ بصرُه على تلك الأرقامِ والرموز , التي باعتْ كنوزَ الوطنِ بفتاتِ الخبزِ الملموز , سيقفُ الغلامُ خجلاً من نسبِه , والفتى وجِلاً من منبتِه , وهو يرى أنَّ أبطالَ الشاشات وفرسانَ الشعارات , لم يكونوا في ميزانِ الاحتلالِ إلا خلايا قذرة , تُحركُها أصابعُ الغريبِ كما تُحركُ الأحجارَ في رُقعةِ الشطرنج , لن ترحمَ الأجيالُ من مهدَ لدبابةٍ أن تدوسَ حُرمةَ الدار, ولن يغفرَ التاريخُ لمن جعلَ الكودَ السريَّ أغلى عنده من دمِ الجار, سيُقالُ غداً هنا باعَ فلانٌ طُهرَ المدائن , وهنا قبضَ علانٌ ثمنَ الخناجرِ والكمائن , ولن تشفعَ لهؤلاءِ ألقابُهم الفخمة, ولا ثرواتُهم الضخمة , بل ستُلاحقُهم لعنةُ الجرذان في الممراتِ والطرقات , وتُكتبُ أسماؤهم في حاشيةِ التاريخِ كدروسٍ في الخسّةِ والدناءات , فمَن لم يصنْ وطنهُ اليومَ عِزاً , صارَ لنسلِه غداً عبئاً ورجزاً , فالعارُ لا يغسلهُ مرورُ السنين , ولا تُمحوه دموعُ النادمين . هكذا خُتمتِ المقامةُ الجُرذانية , لتكونَ صرخةً في وجهِ كلِّ خائنٍ لآمانته , وبيعاً لمن ظنَّ أنَّ الغريبَ سيحفظُ له مكانته , فليعتبرْ مَن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد.

إرسال تعليق