الفريق الركن صباح نوري العجيلي
المقدمة :
في خضم توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، صرح رئيس هيئة الأركان الإيرانية اللواء عبدالرحيم الموسوي انه (بعد حرب ال 12 يوما واستمرار الإجراءات الخبيثة الامريكية الصهيونية، قمنا بمراجعة العقيدة الدفاعية للبلاد، وغيرناها الى عقيدة هجومية للقوات المسلحة تعتمد على منهجية العمليات الخاطفة واسعة النطاق، باعتماد استراتيجيات عسكرية غير متكافئة وساحقة، وبناء على ذلك، فان تحركنا سيكون سريعا وحاسما وخارج الحسابات الامريكية).
يكتسب هذا التصريح أهمية بالغة، بخاصة أنه جاء في توقيت حساس ودقيق يشهد تصعيدًا متزايدًا بين الولايات المتحدة وإيران، بالتزامن مع حشود بحرية وجوية أمريكية في المنطقة . ولا يمكن قراءة هذا التصريح بوصفه خطابًا تعبويًا أو إعلاميًا قد يدخل في ‘طار الحرب النفسية، بل يعكس تحوّلًا مدروسًا في التفكير الاستراتيجي الإيراني، فرضتها تطورات الموقف والبيئة الأمنية الإقليمية والدولية. في هذا التحول نحو العقيدة الهجومية تكون إيران قد تجاوزت مرحلة الصبر الاستراتيجي وفتحت فصلا جديدا عنوانه : الهجوم هو خير وسيلة للدفاع .
العقيدة الدفاعية : سياق تاريخي ووظيفي
بعد نهاية الحرب العراقية - الإيرانية عام 1988،تبنت طهران عقيدة عسكرية دفاعية في ظاهرها، قائمة على مبدأ الردع ومنع الحرب الشاملة. وارتكزت هذه العقيدة على تعويض الفجوة التكنولوجية مع القوى الكبرى عبر أدوات غير تقليدية، مثل الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، والحرب البحرية غير المتكافئة، إضافة إلى توسيع ساحات المواجهة خارج حدودها الجغرافية. وقد اعتمدت إيران في هذا الإطار على ما يُعرف بـ(الدفاع في العمق)، من خلال شبكة الوكلاء الاقليميين، بما يتيح لها نقل الصراع بعيدًا عن أراضيها، ورفع كلفة أي هجوم محتمل عليها. كما شكّل الصبر الاستراتيجي، أحد أعمدة هذه العقيدة ،عبر امتصاص الضغوط والعقوبات والتهديدات، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة غير محسوبة النتائج.
التحول نحو العقيدة الهجومية :
الأسباب والدوافع
أن المتغيرات الأخيرة دفعت القيادة الإيرانية إلى إعادة تقييم جدوى الاكتفاء بالعقيدة الدفاعية ، فتصاعد الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وتكثيف الضغوط السياسية والاقتصادية، إلى جانب التهديدات المتكررة باستخدام القوة، كلها عوامل جعلت طهران ترى أن الردع التقليدي لم يعد كافيًا. في هذا السياق، يشير التحول المعلن نحو العقيدة الهجومية إلى رغبة إيران في الانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع المبادأة، بما يتيح لها التحكم بإيقاع التصعيد، وفرض معادلات جديدة على خصومها، بدل الاكتفاء بامتصاص الضغوط.
متطلبات العقيدة الهجومية
تقوم العقيدة الهجومية، كما تعكسها التصريحات الإيرانية ، على جملة من المتطلبات الأساسية ، في مقدمتها امتلاك القدرة على المبادأة العسكرية،واختيار توقيت ومكان الاشتباك ، وتنفيذ ضربات استباقية أو محدودة عند الضرورة. كما تتطلب رفع مستوى الجاهزية العملياتية للقوات الصاروخية والبحرية والجوية، بما يسمح باستهداف القواعد العسكرية والمصالح الحيوية وخطوط الإمداد فيحال اندلاع مواجهة. وفي الوقت ذاته، لا تعني هذه العقيدة السعي إلى حرب شاملة، بل إدارة محسوبة للتصعيد، عبر توجيه رسائل عسكرية دقيقة، تفرض كلفة عالية على الخصم دون تجاوز العتبة التي قد تؤدي إلى انفجار إقليمي واسع. ويواكب ذلك غطاء سياسي وإعلامي يقدّم هذا التحول بوصفه «دفاعًا وقائيًا» فرضته التهديدات الخارجية، ويهدف إلى حماية الأمن القومي الإيراني. والتحول نحو العقيدة الهجومية لا يعني،بالضرورة، استعدادًا إيرانيًا لخوض حرب مفتوحة، بل يشير إلى إعادة تعريف مفهوم الردع ذاته. فبدلا لاكتفاء بمنع الخصم من الهجوم، تسعى طهران إلى امتلاك القدرة على فرض كلفة استباقية،وتوسيع هامش الفعل العسكري بما يسمح لها بالتحكم بإيقاع التصعيد وحدوده. إنها محاولة للانتقال من الردع السلبي إلى الردع النشط، حيث تصبح المبادأة أداة ضغط سياسي بقدر ما هي خيار عسكري . وتستند هذه المقاربة إلى مزيج من القدرات الصاروخية المتقدمة، والحرب البحرية غير المتجانسة، وتوظيف الساحات الإقليمية كامتداد للعمق الاستراتيجي الإيراني. غير أن الفارق الجوهري يكمن في الاستعداد لاستخدام هذه الأدوات بطريقة أكثر مباشرة وانتقائية، وليس الاكتفاء بدورها الكامن كتهديد محتمل. وهنا، تبرز معادلة دقيقة تحاول طهران إدارتها: توجيه ضربات محسوبة دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة.
انعكاسات التحول على المشهد الإقليمي:
يحمل هذا التحول دلالات مهمة على مستوى الإقليم، إذ يعكس انتقال الصراع من مرحلة الردع السلبي إلى الردع النشط، ويزيد من تعقيد الحسابات الأمريكية وحسابات حلفائها. كما يعزز من استخدام أدوات الضغط غير المباشر، ويجعل أي مواجهة محتملة أكثر تشابكًا، وأقل قابلية للحسم السريع.
سيناريوهات المرحلة المقبلة:
في ضوء التصعيد المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران يمكن رسم عدة سيناريوهات محتملة للمرحلة المقبلة، تتراوح بين الاحتواء المدروس والانفجار المحدود، مع بقاء خيار الحرب الشاملة مستبعدًا في المدى المنظور. فالطرفان يدركان أن كلفة المواجهة المفتوحة ستكون باهظة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، ليس عليهما فحسب، بل على مجمل الإقليم.
السيناريو الأول : يتمثل في استمرار سياسة الردع المتبادل، حيث تواصل واشنطن تعزيز حضورها العسكري كأداة ضغط، مقابل تصعيد إيراني محسوب في الخطاب والأنشطة غير المباشرة، دون تجاوز الخطوط الحمراء. هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا، كونه يتيح للطرفين إدارة الصراع دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً.
السيناريو الثاني : يقوم على مواجهة محدودة أو ضربات نوعية محسوبة، سواء عبر استهداف أذرع إقليمية أو منشآت حساسة، بهدف إعادة ضبط قواعد الاشتباك وفرض معادلات ردع جديدة. هذا المسار، وإن كان محفوفًا بالمخاطر، يظل قابلً اللاحتواء إذا ما التزمت الأطراف بضبط إيقاع التصعيد ومنع توسعه جغرافيًا.
السيناريو الثالث: الانزلاق إلى صدام أوسع،أقل احتمالية لكنه غير مستبعد بالكامل، خاصة فيحال وقوع خطأ في الحسابات أو حادث ميداني غير مضبوط. حينها قد تتدحرج الأحداث بوتيرة متسارعة تتجاوز إرادة الأطراف، وتفتح الباب أما متدخلات إقليمية ودولية تزيد من تعقيد المشهد.
الخلاصة :
في المحصلة، لا يعني أتباع القوات المسلحة الايرانية العقيدة الهجومية إعلان الحرب، بقدر ما تعبّر عن محاولة لإعادة ضبط ميزان الردع، وتوجيه رسالة مفادها أن طهران لم تعد مستعدة لانتظار الضربة الأولى. إنها مقاربة تهدف إلى التحكم بمسار الصراع إذا فُرض، وليس السعي إلى إشعاله، في ظل بيئة إقليمية تتجه نحو مزيد من التوتر وعدم اليقين . لم يكن تصريح رئيس الأركان الإيراني بشأن الانتقال من عقيدة دفاعية إلى أخرى هجومية حدثًا عابرًا في سياق التصعيد المتصاعد بين طهران وواشنطن، بل يعكس تحوّلًا نوعيًا في التفكير الاستراتيجي الإيراني، فرضته تحولات البيئة الأمنية الإقليمية وتراجع فعالية أدوات الردع التقليدية. فالتصريح، في جوهره، يعبّر عن مراجعة عميقة لمعادلة «الصبر الاستراتيجي» التي حكمت السلوك الإيراني لسنوات طويلة.
وختامًا، تبدو المرحلة المقبلة محكومة بمنطق إدارة الصراع لا حسمه، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه التفاوضي وتعزيز أوراق الضغط دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة . وفي هذا الإطار، سيبقى التصعيد الخطابي وتلويح القوة أدوات مركزية في لعبة التوازنات ، بانتظار لحظة سياسية أو تفاوضية تعيد رسم المشهد وفق معادلات جديدة.

إرسال تعليق