اليوم الرابع للانتفاضة الطلابية في إيران: الجامعات تكسر هيبة النظام وتدخل مرحلة التحدي المفتوح

مشاهدات

عبدالرزاق الزرزور 

محامي وناشط حقوقي سوري


تصعيد منظم : من الاحتجاج إلى المواجهة المباشرة

في 24 فبراير 2026، دخلت الانتفاضة الطلابية في إيران يومها الرابع بزخم متصاعد وتحول نوعي في طبيعتها. لم تعد الاحتجاجات تقتصر على تجمعات رمزية داخل الحرم الجامعي، بل تحولت إلى مواجهة سياسية مفتوحة مع بنية النظام الأمنية والأيديولوجية. ووفقاً للتقارير المنشورة باللغتين الفارسية والعربية، فإن الحراك الحالي يتسم بدرجة غير مسبوقة من التنسيق بين الجامعات، مع وضوح في هدفه المعلن :

إسقاط النظام لا إصلاحه .


اللافت في هذا اليوم ليس فقط اتساع رقعة الاحتجاج، بل الانتقال من خطاب احتجاجي إلى خطاب نزع الشرعية، وهو تحول استراتيجي بالغ الدلالة في السياق الإيراني.


شعارات تتجاوز الخطوط الحمراء

في معهد سورة للفنون، ردد الطلاب شعارات تؤكد الاستمرارية والتصعيد، من قبيل &quot ; نقسم بدماء الرفاق سنصمد حتى النهاية".  أما في جامعة خواجه نصير الدين طوسي، فقد اندلعت مواجهات مباشرة مع عناصر الباسيج وسط هتافات تستهدف رأس النظام. وفي جامعة إيران للعلوم والتكنولوجيا، تصاعدت الاشتباكات مع ترديد شعارات تحفز على كسر حاجز الخوف. هذه الشعارات لم تعد تكتفي بإدانة السياسات، بل تضع الولي الفقيه، علي خامنئي في موقع المساءلة المباشرة، في سابقة تعكس انهيار حاجز الرهبة الذي سعى النظام لترسيخه لعقود.


حرق الصور: رمزية إسقاط الهيبة

التحول الأخطر تمثل في إحراق صور كل من علي خامنئي وخميني داخل عدد من الجامعات، بينها جامعة طهران وجامعة شريف الصناعية وجامعة الشهيد بهشتي. في السياق الإيراني، تمثل هذه الخطوة كسرًا رمزياً لعمود الشرعية الأيديولوجية الذي يستند إليه النظام. إحراق الصور ليس فعلاً عاطفياً عابراً، بل إعلاناً سياسياً بأن قداسة السلطة قد سقطت. إنه انتقال من نقد الأداء إلى رفض البنية ذاتها .


القمع كخيار وحيد: عسكرة الفضاء الجامعي

رد النظام جاء متوقعاً لكنه أكثر حدة. تقارير من جامعة فردوسي، وجامعة آزاد الإسلامية في مشهد، تشير إلى اقتحامات ليلية للسكن الجامعي، واعتداءات نفذتها قوات بملابس مدنية وعناصر الباسيج. كما وثقت مقاطع إطلاق طائرات "كوادكوبتر" لتحديد هوية الطلاب المشاركين في الاحتجاجات. هذا السلوك يعكس أن النظام بات يعتمد بشكل شبه حصري على الأدوات الأمنية والتكنولوجية لتعويض تآكل شرعيته. عسكرة الحرم الجامعي تعني عملياً أن السلطة لم تعد ترى في الجامعات فضاءً تعليمياً، بل جبهة صراع داخلي.


دلالات استراتيجية: من الاحتواء إلى الاستنزاف

التحليل الاستراتيجي يشير إلى أن النظام انتقل من محاولة الاحتواء إلى سياسة الاستنزاف القمعي. غير أن هذه المقاربة تحمل مخاطر بنيوية ؛ فكل موجة قمع تعمق القطيعة بين الدولة والجيل الشاب، وتوسع دائرة التعاطف المجتمعي مع المحتجين.

من جهة أخرى، يظهر التنسيق العالي بين الجامعات أن الحراك تجاوز الطابع المحلي، ليصبح شبكة وطنية مترابطة. هذا التطور يقلل من قدرة الأجهزة الأمنية على تفكيكه عبر الاعتقالات الانتقائية أو إغلاق جامعة بعينها.


نزع الشرعية: المعركة الحاسمة

الهتافات التي تصف خامنئي بـ "السفاح" وتتوعده بدفنه تحت التراب تعكس تحولا من المعارضة إلى سحب   الاعتراف السياسي. حين يُكسر احتكار الخوف، يفقد النظام أهم أدوات بقائه. إن حرق صور الولي الفقيه، ومؤسس الجمهورية الإسلامية يعني عملياً أن الأساس الرمزي للنظام يتعرض لتآكل علني. إن ما يجري يُقرأ كمرحلة متقدمة من صراع طويل بين مجتمع شاب يسعى لدولة مدنية ديمقراطية، ونظام ثيوقراطي يواجه أزمة بقاء.


الخاتمة: الجامعات كمسرح لحسم المستقبل

اليوم الرابع ليس مجرد استمرار زمني للاحتجاج، بل نقطة تحول نوعية. الجامعات الإيرانية تحولت إلى مختبر لإسقاط الهيبة السياسية، والنظام يرد بعنف يكشف هشاشته أكثر مما يثبت قوته.  المعادلة الراهنة واضحة: كلما صعّد النظام قمعه، اتسعت الفجوة بينه وبين المجتمع. وإذا استمر هذا النسق التصاعدي، فإن إيران ستدخل مرحلة يصبح فيها السؤال ليس ما إذا كانت الشرعية ستتآكل، بل متى ستصل إلى نقطة اللاعودة. الجامعات اليوم لا تطالب بإصلاحات جزئية، بل تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. وفي ذلك يكمن التحدي الأكبر لنظام بات يعيش على فائض القوة الأمنية، لا على قاعدة الرضا الشعبي.


تعليقات

أحدث أقدم