مشاهدات
صباح الزهيري
حدّثنا شيخُنا الأغرُّ, أبو تمامٍ البيانِ , قال :
أَزْمَنْتُ سَفْري وتنقالي , وجُلتُ في البلادِ أسألُ عن حِذْقِ المقالِ , وأَسْتَجْمِعُ ما تفرّقَ من حُسْنِ الخِلالِ , فبينما أنا ذاتَ يومٍ أَفْهَمُ وأَتَفَهَّمُ , وأَتَعَجَّبُ ممن يَتَكَلَّمُ ولا يَفْهَمُ , إذْ نَزَلْتُ مَكَّةَ أُمَّ القُرَى , وبَلَغَنِي ما قد جَرَى , من فجيعةٍ شَقَّتِ الحناجِرَ , وذرفتْ منها النَّواظرُ , إثرَ مقتلِ عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ, رضي اللهُ عنه , بيدِ الحَجّاجِ بنِ يوسفَ الثقفيِّ , فارتَجَّتْ مَكّةُ بِأَوْلِيَائِها , وضَجَّتْ بِأَهْلِهَا ونُدَبَائِهَا , بينَ باكٍ يُعْوِلُ , ومُسْتَفْظِعٍ يَجْهَلُ , ولمّا سَمِعَ الحَجّاجُ ما لَبَسَ الناسَ مِنَ التَّشَاكِي , وأَنَّهُم لِبَيَانِ الحُجَّةِ تَرَكُوا التَّرَاكِي , أَمَرَ بالجُمُوعِ إلى المسجدِ , وصَعِدَ المِنْبَرَ صُعُودَ الصَّيْدِ المُتَوَدِّدِ , فحمِدَ اللهَ وأَثْنَى عليه , ثناءً لا يُرْضِي سوى خالقِه وبَارِيهِ , ثمّ أَطْرَقَ هُنَيْهَةً كَأَنَّهُ يَقْتَنِصُ بَيَانَهُ , ثُمَّ قالَ بِلِسَانٍ تُفْتَحُ لَهُ الآذَانُ :
يا أهلَ مكةَ , بلَغَنِي بُكَاؤُكُمُ المُتَوَاصِلُ , واسْتِفْظَاعُكُم لِقَتْلِ ابنِ الزبيرِ وهو المُتَنَازِلُ , أَلَا وإِنَّ ابنَ الزُّبَيْرِ كانَ مِن أَحْبَارِ هَذِهِ الأُمَّةِ , حتّى رَغِبَ في الخِلافَةِ فَنَازَعَ أَهْلَهَا بِيُسْرٍ وَعُسْرٍ , وخَلَعَ طَاعَةَ اللهِ فاسْتَكَنَّ إِلَى حَرَمِ اللهِ , وهلْ شَيءٌ يَمْنَعُ القَضَاءَ , كَمَا يَمْنَعُ السَّمَاءَ الغِطَاءُ؟ ولوْ كانَ شَيءٌ يَمْنَعُ القَضَاءَ , لَمَنَعَتْ آدَمَ حُرْمَةُ الجَنَّةِ , إِذْ خَلَقَهُ اللهُ بِيَدِهِ ونَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ , وأَسْجَدَ لَهُ مَلائِكَتَهُ وأَبَاحَهُ جَنَّتَهُ , فَلَمَّا كَانَ مِنْهُ مَا كَانَ , أَخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ بِخَطِيئَتِهِ , كَيْلا يَنْسَى العَبْدُ مُصِيبَتَهُ , وآدَمُ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ, والجَنَّةُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الكَعْبَةِ , فَاذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ , وَادْعُوهُ يَسْتَجِبْ لَكُمْ .
قالَ الراوي : فسَمِعْتُ مَالِكَ بنَ دِينَارٍ يقولُ :
ربما سمِعتُ الحجّاجَ يذكُرُ ما صُنِعَ بِهِ أهلُ العراقِ وما صُنِعَ بِهِم , فَوَقَعَ في نَفْسِي أَنَّهُم يَظْلِمُونَهُ لِبَيَانِهِ وحُسْنِ تَخَلُّصِهِ لِلْحُجَجِ , فالمَعْنَى بِحَاجَةٍ لِوِعَاءٍ جَمِيلٍ, أيقنتُ حينها أنَّ الصَّوَابَ قَرِينُ التَّثَبُّتِ والخطأَ شَرِيكُ العَجَلَةِ , فَقُلْتُ في نَفْسِي:
لَقدْ قَابَلَ الحَجّاجُ العويلَ بِحُسْنِ التَّقْسِيمِ , كما قالَ تَبَارَكَ وتَعَالَى:
هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ,
ورَمَى القَضَاءَ بِجِنَاسٍ تَامٍ كَجِنَاسِ قَوْلِهِ جَلَّ وعَلَا :
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ
وهذا واللهِ هو التَّخَلُّصُ, ومفتاحُ القُلُوبِ لِمَنْ كانَ حَصْحَصَ , فَفِي مَقَامِهِ بَلَاغَةٌ , تُبَرِّئُ السَّاحَةَ , لَا لِأَنَّهُ حَقٌّ , بَلْ لِأَنَّ إِذا لَمْ يَنْقُصِ الْمَعْنَى بَيَانٌ فَسِيَّانِ الْبَلَاغَةُ وَالْقُصُورُ, حتّى تَظُنَّ أَنَّ غَضَبَ الْجَاهِلِ فِي قَوْلِهِ , وَغَضَبَ الْعَاقِلِ فِي فِعْلِهِ , وتَسْمَعُ لِجُنْدَلٍ الفَزَارِيِّ :
فَتَىً كَانَ فِيهِ مَا يَسُرُّ صَدِيقَهُ
عَلَى أَنَّ فِيهِ مَا يَسُوءُ الْأَعَادِيَا ,
وتُدْرِكُ أنَّ الحَجّاجَ كَانَ يَعْلَمُ أنَّ الْحَاكِمَ مِيزَانُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ , ولوْ بالبَيَانِ يُؤدِّي الفَرْضَ. ولَقَدْ صَدَقَ ابنُ المقفَّعِ إذْ قِيلَ لَهُ أَلا تَقُولُ الشِّعْرَ ؟
الَّذِي يَجِيئُنِي لَا أَرْضَاهُ ,
وَالَّذِي أَرْضَاهُ لَا يَجِيئُنِي ,
فَتَبْصِرُ أنّ البَلاغَةَ صَنْعَةُ لُبٍّ , لاَ صَنعَةُ كَذِبٍ , يُخَافُ عَليها كَخَوْفِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ , حِينَ قِيلَ لَهُ :
إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ فِيمَا تَقَلَّدْتَ, لَسْتُ أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ تَخَافَ , وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكَ أَلَّا تَخَافَ,
فَإِنَّ الْعَيَّ آَفَاتٌ مُقَدَّرَةٌ , ولِلبَلاغَةِ بَيَانٌ يَرُدُّها مُسْتَقَرَّةً , ولَنْ يَنْهَضَ الشَّعْبُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لَهُ مِنَ البَلاغَةِ تَعْبِيرٌ وإِنْشَاءُ , فهذهِ يا وَلَدِي مَقَامَةٌ تُلَخِّصُ مَقَامَاتِ القَوْلِ , وتَجْمَعُ شَتَاتَ الكَلامِ والطَّوْلِ , فـأَغْلِقْ أَبْوَابَ الشَّهَوَاتِ تَنْفَتِحْ لَكَ أَبْوَابُ البَيَانِ , فـلَا يَنْهَضُ الشَّعْبُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لَهُ مِنَ الْبَلَاغَةِ تَعْبِيرٌ وَإِنْشَاءُ .
وإلى هنا , يا بُنيَّ , يَنقَضِي القَولُ ويَتِمُّ البَيانُ , فَهَذِهِ يا فَتَى الدَّرسُ في حُجَجِ الخُصُومِ , وحِكَمُ التَّخَلُّصِ من الوَخِيمِ , فاجعَلْ طِبَاقَ الإيجابِ سَمْتَكَ , ولا تَنْسَ حُسنَ التَّقسِيمِ في كَلامِكَ وبَثَّكَ , واعْلَمْ أنَّ البَيانَ سُلطانٌ على القُلُوبِ , لا يَقْوَى على رَدِّهِ مَغلُوبٌ , فَإنْ جَمُلَتْ لُغَتُكَ , وزانَتْ حُجَّتُكَ , تَعَلَّمْتَ كَيْفَ تُخَلِّصُ الحَقَّ مِنَ البَاطِلِ , وتَرتَقِي إلى صُنَّاعِ المَقَاوِلِ , فَلَيسَ السَّيِّدُ مَن قالَ : أَنَا , بل مَن شَهِدَ لَهُ القَومُ بالعُلَى , فَاللهَ اللهَ في حُسْنِ البَيانِ , وجَمَالِ العِبارَةِ بلا نُقصَانِ , فَأَغْلِقْ أَبْوَابَ الشَّهَوَاتِ تَنْفَتِحْ لَكَ أَبْوَابُ الحِكمَةِ , واذْكُرْ أنَّ البَلاغَةَ مَنْزِلَةُ الأَكابِرِ, لا مَرْتَبَةُ الصَّغَائِرِ .

إرسال تعليق